في الوقت الذي تتصدر فيه أخبار تسريح الموظفين في شركات عالمية كبرى لصالح الذكاء الاصطناعي المشهد الاقتصادي العالمي، تتجه سوق العمل السعودية إلى مسار مختلف، عنوانه الأبرز ليس اختفاء الوظائف بقدر ما هو إعادة تشكيلها وخلق وظائف جديدة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي والمشاريع الكبرى والقطاعات غير النفطية، بحسب مختصين تحدثوا لـ"الاقتصادية".
وبينما تشير تقديرات منتدى الاقتصاد العالمي إلى تراجع نحو 90 مليون وظيفة عالميًا خلال السنوات المقبلة، يتوقع التقرير في المقابل استحداث نحو 170 مليون وظيفة جديدة، بما يعكس تحولا عميقا في طبيعة سوق العمل، حيث تتراجع الحاجة إلى المهام الروتينية والمتكررة، مقابل ارتفاع الطلب على المهارات التقنية والتحليلية والإبداعية.
في هذا السياق، يرى الدكتور عبدالوهاب القحطاني، خبير استراتيجي في جامعة اليمامة، أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظائف التقليدية أو عالية المهارة بصورة مباشرة، وإنما سيغير طريقة تنفيذها، موضحا أن المؤسسات تتجه إلى توظيف هذه التقنيات بهدف رفع الجودة والإنتاجية وخفض التكاليف، فيما سيكون تطوير مهارات العاملين العامل الحاسم في قدرتهم على مواكبة التحول.
وقال إن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في المهام التي تتطلب التفكير قد يؤدي إلى تراجع بعض المهارات البشرية، مثل الكتابة والحساب الذهني والتذكر والتفكير النقدي، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن التقنية لا تزال تفتقر إلى فهم العاطفة والجوانب الإنسانية، ما يبقي للإنسان دورا أساسيا في الجوانب السلوكية واتخاذ القرارات.
الأتمتة لا تلغي العمل
يتفق هذا الاتجاه مع رؤية ديفيد أوتور، أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي يرى أن وظائف مثل الكتابة والتصميم والأعمال الإدارية والسكرتارية وخدمة العملاء وتشغيل الآلات ستكون من بين الوظائف الأكثر تأثرا بالذكاء الاصطناعي.
لكن التأثير، وفقا لأوتور، لا يعني بالضرورة اختفاء المهنة كاملة، وإنما أتمتة جزء من مهامها وتعزيز أجزاء أخرى، إلى جانب ظهور وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل.
وفي السعودية، تبدو هذه المعادلة أكثر ارتباطا بالتحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة، إذ تتوسع الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي والمشاريع الكبرى والقطاعات غير النفطية، ما يخلق طلبا متزايدا على تخصصات جديدة تتقاطع مع الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية.
ويؤكد الدكتور عبدالله البنيان، الباحث في الذكاء الاصطناعي بجامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز، أن التقنية ستغير طبيعة الوظائف أكثر مما ستلغيها، موضحا أن الأتمتة ستتركز بدرجة أكبر على المهام الروتينية والمتكررة، في حين ستنشأ وظائف مرتبطة بتطوير حلول الذكاء الاصطناعي وتشغيلها والإشراف عليها.
ويرى أن الدور البشري في سوق العمل المستقبلية سينتقل تدريجيا من التنفيذ التقليدي إلى الإبداع واتخاذ القرار والرقابة التقنية، ما سيرفع الطلب على الكفاءات القادرة على فهم هذه الأنظمة وقيادتها وإدارة مخاطرها.
الاقتصاد الرقمي يفتح وظائف جديدة
يقول أحمد عسيري، المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة سطام بن عبدالعزيز، إن الاقتصاد السعودي مرشح لخلق وظائف جديدة أكثر مما سيفقده مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، مدفوعا بالنمو المتسارع للاقتصاد الرقمي والأنشطة غير النفطية.
وأشار إلى أن مساهمة الاقتصاد الرقمي بلغت نحو 16% من الناتج المحلي في 2024، في وقت سجل الاقتصاد السعودي نموا حقيقيا خلال الربع الأول من 2026، مع نمو في قطاعات المالية والتأمين وخدمات الأعمال والصناعة غير التكريرية، ما يعزز الطلب على الخدمات السحابية وتحليل البيانات وحلول الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن التقنية ستغير طبيعة العمل بصورة أكبر من إلغائها، مع توقع تنفيذ نسبة متزايدة من مهام العمل بواسطة التقنية خلال السنوات المقبلة، مقابل ارتفاع الحاجة إلى مهارات الإشراف على الأنظمة وتحليل مخرجاتها وإدارة المخاطر المرتبطة بها.
وهنا تظهر أهمية التحول الرقمي بالنسبة إلى الاقتصاد السعودي؛ فكلما توسعت الشركات في الأتمتة والبيانات والذكاء الاصطناعي، نشأت حولها منظومة اقتصادية جديدة تضم مطوري البرمجيات، ومهندسي البيانات، ومتخصصي الأمن السيبراني، ومصممي الحلول الرقمية، وخبراء الحوسبة السحابية، إضافة إلى وظائف في الإدارة والرقابة والتشغيل.
وظائف تبحث عن أصحابها
بعيدا عن الوظائف التي قد تتعرض للضغط نتيجة الأتمتة، بدأت مجموعة من الوظائف الجديدة في الظهور داخل السوق السعودية، مدفوعة بنمو قطاعات استراتيجية تتوافق مع مستهدفات التحول الاقتصادي.
ويأتي قطاع الطاقة المتجددة والاستدامة في مقدمة القطاعات الواعدة، مع ارتفاع الحاجة إلى متخصصين في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر والأتمتة الصناعية، بحسب رصد لـ"الاقتصادية" استنادا إلى تقارير حكومية.
كما تتزايد الوظائف المرتبطة بالبيانات، ومنها محلل البيانات، ومحلل ذكاء الأعمال، وعالم البيانات، ومهندس البيانات، ومعماري البيانات، إلى جانب وظائف متخصصة في الذكاء الاصطناعي، مثل مهندس الذكاء الاصطناعي، ومهندس تعلم الآلة، ومهندس معالجة اللغات الطبيعية، ومهندس رؤية الحاسب، ومهندس الروبوتات.
ويقول إبراهيم الشمري، مدير الموارد البشرية في شركة فانغاردز العربية، إن أبرز الوظائف المطلوبة حاليا تشمل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وتطوير البرمجيات، والحوسبة السحابية، وإدارة المشاريع، والهندسة، والرعاية الصحية، والتقنية المالية، والخدمات اللوجستية.
المشاريع الكبرى تعيد تشكيل الطلب
لا ينفصل هذا التحول عن المشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة، إذ أدى توسع الاقتصاد الرقمي وتطوير القطاعات غير النفطية إلى زيادة الطلب على تخصصات نوعية لم تكن تحظى بالطلب نفسه قبل سنوات.
ويشير أحمد الخالدي، مستشار الموارد البشرية، إلى أن الاقتصاد السعودي يشهد تحولا متسارعا نحو الاقتصاد الرقمي والمشاريع الكبرى، ما أوجد طلبا واسعا على تخصصات من بينها هندسة الهيدروجين الأخضر والأتمتة الصناعية.
كما يمثل قطاع السياحة والترفيه أحد مصادر الطلب المستقبلية على العمالة، مع المستهدفات الكبيرة للقطاع بحلول 2030، وهو ما يفتح المجال أمام وظائف لا تقتصر على الخدمات التقليدية، بل تمتد إلى التقنية والبيانات وإدارة التجارب والتسويق الرقمي والأمن وإدارة المشاريع.
المهارة الرقمية تتحول إلى شرط للتوظيف
ومع تغير خريطة الوظائف، تتغير أيضا معايير التوظيف. فلم يعد الحصول على شهادة جامعية كافيا في العديد من الوظائف التقنية والمهنية، بل أصبحت قدرة الموظف على استخدام الأدوات الرقمية وتحليل البيانات والاستفادة من الذكاء الاصطناعي عاملا مؤثرا في فرص الحصول على الوظيفة والتطور داخلها.
وتبرز ضمن المهارات المطلوبة القدرة على تحليل البيانات باستخدام أدوات مثل Excel وPower BI وTableau وPython، إلى جانب تصميم تجربة المستخدم والأمن السيبراني والحوسبة السحابية وإدارة المشاريع.
ويؤكد مختصون أن إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول في بعض القطاعات من ميزة تنافسية إلى مهارة أساسية، في تحول يشبه ما حدث سابقا مع استخدام الحاسب الآلي، عندما انتقلت مهاراته تدريجيا من كونها ميزة إضافية إلى شرط أساسي في عدد كبير من الوظائف.
وفي هذا السياق، تتيح جهات حكومية، من بينها أكاديمية سدايا وأكاديمية منشآت وصندوق تنمية الموارد البشرية، برامج تدريبية تستهدف رفع جاهزية الكوادر وتطوير المهارات الرقمية.
الاستثمار في الإنسان.. الرهان الاقتصادي
ويرى الخبراء أن التحدي الحقيقي أمام سوق العمل السعودية لا يتمثل في عدد الوظائف التي قد تستبدلها التقنية، وإنما في قدرة العاملين على الانتقال من الوظائف والمهام التي تتراجع الحاجة إليها إلى الوظائف التي ينمو الطلب عليها.
ولهذا يبرز التدريب وإعادة التأهيل باعتبارهما استثمارا اقتصاديا وليس مجرد إجراء وظيفي. فكل موظف ينتقل من تنفيذ مهمة روتينية إلى استخدام التقنية لتحليل البيانات أو اتخاذ القرار أو تطوير الحلول يضيف قيمة إنتاجية جديدة إلى المنشأة والاقتصاد.
وينصح مختصون الخريجين والعاملين بالتركيز على تطوير المهارات الرقمية، وتحسين اللغة الإنجليزية، واكتساب الخبرة العملية، والحصول على الشهادات المهنية، فيما تشمل الشهادات المقترحة مجالات إدارة المشاريع والحوسبة السحابية وغيرها من التخصصات ذات الطلب المتزايد.
ويشدد القحطاني على أهمية التدريب المستمر وإعادة تأهيل الكوادر الوطنية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن مواكبة التحولات المتسارعة في سوق العمل.
من الخوف من فقدان الوظيفة إلى سباق على الوظيفة الجديدة
وبذلك، تبدو قصة الذكاء الاصطناعي في سوق العمل السعودية مختلفة عن الصورة التي تختزل التحول في تسريح الموظفين. فالتقنية تضغط بالفعل على بعض المهام والوظائف، لكنها في المقابل تفتح سوقا جديدة حول البيانات والبرمجيات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية والطاقة المتجددة والروبوتات والخدمات الرقمية.
والرهان الاقتصادي للمملكة خلال المرحلة المقبلة لن يكون في منع الأتمتة، بل في تحويل مكاسب الإنتاجية التي توفرها التقنية إلى وظائف جديدة ذات قيمة مضافة، ورفع جاهزية الكوادر الوطنية لشغلها.
ومع استمرار تنويع الاقتصاد وتوسع المشاريع الكبرى، يصبح الذكاء الاصطناعي عاملا في إعادة توزيع الطلب على المهارات أكثر من كونه آلة لإلغاء العمل. فالوظيفة قد تتغير، والمهام قد تنتقل إلى الآلة، لكن العامل الذي يمتلك مهارة استخدام التقنية وتحليل نتائجها واتخاذ القرار بناء عليها سيكون في موقع أقوى داخل سوق العمل الجديدة.
وفي الاقتصاد السعودي، قد لا يكون السؤال الأهم: كم وظيفة سيأخذها الذكاء الاصطناعي؟ بل: كم وظيفة جديدة يستطيع الاقتصاد خلقها حول الذكاء الاصطناعي؟

