لا يبدو أن ثمة سقف لما قد نبذله في سبيل الحصول على ليلة نوم هانئة.
أنشتري خاتم "أورا" (Oura) باهظ الثمن أو ساعة "أبل" لمراقبة النوم؟ بالتأكيد. هل نملأ خزائن الأدوية بالأقراص المنومة والخلطات والعلكة الهلامية والإكسيرات المساعدة على النوم؟ بلا شك. ماذا عن قناع نوم حريري يحمي الرموش، يوصي به المشاهير ويبلغ سعره 89 دولاراً؟ لمَ لا؟
أما أجهزة الضوضاء البيضاء، فقد أصبحت من الماضي، لأن المهووسين بتحسين جودة نومهم يفضّلون سماعات (Soundcore Sleep A20) التي تُعد صفقة مغرية بسعر 100 دولار.
وقريباً، سيصبح بإمكانهم أيضاً اقتناء جهاز "كيمبا" (Kimba)، وهو جهاز علاج بالروائح مدعوم بالذكاء الاصطناعي متاح حالياً للطلب المسبق، يبلغ سعره 299 دولاراً، يوضع بجانب السرير، ويعطي لمدة ستة أشهر، روائح مصممة خصيصاً وفق تفضيلات كل مستخدم.
لأولئك الذين لا يمانعون إنفاق مبالغ طائلة، يتوافر غطاء فراش ينظم حرارة الجسم، يبلغ سعره نحو 3 آلاف دولار، يروّج له مؤثرون في أوساط "المانوسفير". حتى أن بعض الأزواج قد يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيخصصون غرف نوم منفصلة بالكامل سعياً وراء نوم أفضل.
تقول كريستين سبادولا، الأستاذة المشاركة في كلية العمل الاجتماعي بجامعة تكساس في أرلينغتون، والمتخصصة في صحة النوم: "ازداد الوعي بأهمية النوم، وهذا أمر إيجابي، لكن الأمر ذهب بعيداً".

يسعى الناس إلى النوم بسهولة أكبر ولساعات أطول وبجودة أفضل، مع تزايد الوعي بأن النوم الجيد لم يعد رفاهية، بل ضرورة للصحة، إذ يسهم في الوقاية من الأمراض وإطالة العمر. كما يساعد على تعزيز القدرات الذهنية، والحفاظ على الوزن، وتحسين المظهر.
ووفقاً لشركة "ريلا غلوبال كونسالتينغ" (Rila Global Consulting) المتخصصة في أبحاث المستهلكين، يتجاوز عدد المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي عن النوم تلك المتعلقة بالتمارين الرياضية بثلاثة أضعاف، ويفوق المنشورات الخاصة بالأنظمة الغذائية بخمسة أضعاف.
لكن المعروف عن قطاع العافية أنه يقوم بتسويق منتجات باهظة الثمن لا تقدم فائدة تُذكر، بل قد تؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية وتفاقم المشكلات الصحية. إذ يجد المسوّقون في الأشخاص المحرومين من النوم فئة يسهل استهدافها.
على رفوف السوبرماركت، تحوّلت المساعدة على النوم إلى سوق تُقدَّر قيمتها بنحو 300 مليون دولار، وفق شركة أبحاث التجزئة "سبينز" (Spins). ورغم أن الفيتامينات والمكملات الغذائية لا تزال تستحوذ على معظم المبيعات، فإن النمو الأسرع يأتي من المشروبات الوظيفية التي تحتوي على مكونات مثل الأشواغاندا و"إل-ثيانين".
ورغم أن بعض الأبحاث تشير إلى أن بعض هذه المكونات قد تساعد على تحسين النوم، فإن فعاليتها عند استخدامها في المنتجات الفعلية لا تزال غير محسومة، إذ غالباً ما تكون الجرعات غير واضحة، كما قد تؤثر المكونات المضافة الأخرى على طريقة استجابة الجسم. ومع ذلك، قفزت مبيعات هذه المشروبات إلى نحو أربعة أضعاف خلال العام الماضي.
سوق النوم تتمدد من المكملات إلى التكنولوجيا
على الإنترنت، تباع مشروبات مخصصة لتحسين النوم مثل مشروب "دريمبيري" (Dreamberry) من "سيب إليكسيرز" (Sip Elixirs) المحتوي على مادة THC، والذي يروّج له بطل الفنون القتالية المختلطة كايل دوكاس، ومشروب "دريم ويل" (Dream Well) بنكهة الجوافة من "مور لابس" (More Labs)، إلى جانب مشروب التعافي من "أتلوا" (Atlaua) المخصص للرياضيين، والذي يتوافر أيضاً في زجاجة خزفية يدوية الصنع بسعر 99 دولاراً تستهدف قطاع الضيافة الفاخرة.
تصنف شركة "سبينز" مساحيق النوم التي تُخلط بالماء ضمن فئة مستقلة عن المشروبات، وقد نمت مبيعاتها بنسبة 54% خلال العام الماضي. ويعتمد كثير من هذه المشروبات المساعدة على النوم على المغنيسيوم، أحد أكثر المكملات الغذائية رواجاً للمساعدة على النوم، الذي بلغت مبيعاته في الولايات المتحدة وحدها نحو 1.9 مليار دولار في عام 2025، وفق التقديرات، حتى وصفته مجلة "نيوتريشن بيزنس جورنال" (Nutrition Business Journal) بأنه "المكوّن النجم".
أصبحت أجهزة تتبع النوم شائعة إلى حد أنها دفعت كثيرين إلى الهوس بالحصول على القدر المثالي من النوم، حتى صيغ مصطلح طبي لوصف هذه الحالة هو "أورثوسومنيا" (Orthosomnia).
تقول ميغان سويدلر، وهي مستثمرة في شركات تكنولوجيا الصحة الاستهلاكية ومدربة في الصحة الشمولية وإزالة السموم في لوس أنجلوس، إنها كانت من أوائل مستخدمي خاتم "أورا"، لكنها بعد سنوات من الهوس في كل بياناتها، أصبحت من أوائل الداعين إلى الاستغناء عنه.
هل أصبحت منتجات النوم جزءاً من المشكلة؟
قالت سويدلر: "بدأت أعتمد على الجهاز القابل للارتداء ليخبرني كيف ينبغي أن أشعر". وأضافت "كنت أستيقظ كل صباح، وأمسك هاتفي فوراً، وأفتح تطبيق (أورا) لأتحقق من مدى جودة نومي".
وروت أنه حتى في الأيام التي كانت تشعر فيها بأنها بخير، إذا أظهرت مؤشرات "أورا" نتائج منخفضة، كانت تشعر "بالسوء والذنب"، مضيفة "تحول الأمر إلى حالة من الهوس".
وفي النهاية، قررت التوقف عن ارتداء الخاتم نهائياً. واليوم، تقول إنها لم تعد تتناول أي مكملات غذائية أو تستخدم أي أجهزة. وهي تقضي هذا الصيف مع صديقها في منزل متنقل يجوبان به كندا والولايات المتحدة، حيث تضع هاتفها في وضع الطيران قبل نحو ساعة من النوم، ثم تسترخي وتحصل على نوم متواصل يتراوح بين ثماني وتسع ساعات.

رغم الانتشار الواسع للأقراص والتقنيات التي يُسَوّق لها على أنها تساعد على النوم، فإن ستة من أصل كل عشرة بالغين في الولايات المتحدة ما زالوا لا يحصلون على الساعات السبع إلى التسع من النوم التي توصي بها الأدلة العلمية الموثوقة.
فهل المشكلة أننا لا نشتري ما يكفي من هذه المنتجات؟ أم أن هذه المنتجات أصبحت جزءاً من المشكلة؟ فبعض مشروبات النوم قد تدفع إلى الاستيقاظ ليلاً لدخول الحمام، بينما قد يؤدي الكافيين الذي تحتويه بعض ألواح الشوكولاتة ومساحيق الكاكاو المخصصة للنوم إلى تنشيط الجسم، بدلاً من مساعدته على الاسترخاء والنعاس.
سوق المكملات.. وعود أكبر من الأفعال
حذّر معظم الخبراء الذين تحدثت إليهم من الاعتماد على سوق المكملات الغذائية، التي لا تزال إلى حد كبير تفتقر إلى رقابة تنظيمية. فحتى بعض المكونات التي تستند إلى بعض الأدلة العلمية، مثل الميلاتونين، قد لا تكون موجودة فعلياً في المنتج، أو قد تأتي بجرعات أقل أو أعلى من الكمية المطلوبة.
ومع ذلك، أولئك الذين يملكون القدرة الشرائية سيواصلون الإقبال على أي شيء يعدهم بنوم أفضل، حتى إذا لم يلمسوا أي نتيجة فعلية.
يقول مستشار العلامات التجارية فريد هارت: "عندما يصل الناس إلى مرحلة اليأس، فهم يقومون بأمور يائسة". ويحدث ذلك رغم أن المكملات الغذائية لا تخلو من المخاطر. فعلى سبيل المثال، أشارت جمعية القلب الأميركية العام الماضي إلى أن الاستخدام طويل الأمد للميلاتونين يرتبط بزيادة احتمال الإصابة بقصور القلب.
أما الأدوية التي تباع بوصفة طبية مثل "أمبيين" (Ambien)، فرغم أنها تساعد على النوم، إلا أن بعض الدراسات وجدت أن مستخدميها قد لا يقضون وقتاً كافياً في "نوم الموجة البطيئة" وهي مرحلة من النوم العميق، تُعدّ الأكثر أهمية لاستعادة النشاط والاستيقاظ في الصباح بشعور بالانتعاش والحيوية استعداداً للانطلاق في يوم جديد.
هل حقاً يشتري المال نوماً أفضل؟
أكد الخبراء الذين تحدثت إليهم أن معظم الناس لا يحتاجون إلى نظام "إيت سليب" (Eight Sleep)، الغطاء الذكي للمرتبة البالغ سعره نحو 3 آلاف دولار الذي سبق أن ذكرناه، والذي يروّج له أندرو هوبرمان ويستخدمه مشاهير مثل مارك زوكربيرغ وإيلون ماسك وهالي بيري. (كما تبيع الشركة غطاء وسادة بسعر ألف دولار، إلى جانب ملحقات أخرى).
ومع ذلك، يختلف هذا المنتج عن كثير من وسائل تحسين النوم الأخرى المتوافرة في السوق، إذ يعتمد على تقنية تضبط حرارة الغطاء باستمرار بما يتلاءم مع حرارة جسم الشخص النائم، كما يستند إلى بعض الأبحاث العلمية، فضلاً عن وجود مستخدمين يؤكدون على فعاليته.
تشير الدراسات التي موّلتها الشركة إلى أن الناس ينامون بصورة أفضل عند استخدام غطاء المرتبة المبرد، رغم سعره الباهظ. (للتذكير، ستظلّ بحاجة لمرتبة لتضعه فوقها، ولكن لا تقلق، تبيع الشركة مرتبات أيضاً بسعر يقارب ألفي دولار).
إلا أن "إيت سليب" لم تُجرِ أي دراسة تقارن منتجها بحلول أبسط وأقل تكلفة لخفض حرارة الجسم، مثل خفض درجة حرارة جهاز التكييف أو ربما خلع بعض ملابس النوم.
في ختام كتابه الصادر عام 2017، "لماذا ننام: اكتشف قوة النوم والأحلام" (Why We Sleep: Unlocking the Power of Sleep and Dreams)، يستعرض عالم النوم ماثيو ووكر 12 تغييراً يمكن أن تساعد على تحسين جودة النوم. ويشغل ووكر اليوم منصب المستشار العلمي لدى شركة "إيت سليب" (Eight Sleep).
تقول ألكسندرا زاتاراين، الشريكة المؤسسة للشركة، إنه لو أُعيد تأليف الكتاب اليوم، لكان استخدام نظام "إيت سليب" التوصية رقم ثلاثة عشر. وتضيف أن الناس أحرار في الأخذ بأي عدد من هذه التوصيات، لكن قلة منهم ستلتزم بها جميعاً.
هكذا يجد المتسوق الباحث عن نوم أفضل، نفسه أمام خيار بسيط: هل أغير جدول ممارستي للتمارين الرياضية أم أنفق آلاف الدولارات؟ قد يبدو الخيار الثاني أسهل بالنسبة إلى كثيرين، لكن لا أحد يعرف إن كان هو الأفضل، حتى يخضع لتقييم علمي.
وتقول زاتاراين لـ"بلومبرغ بيزنس ويك": "هذه الخيارات لا تتعارض مع بعضها، ولا يغني أحدها عن الآخر"، مضيفة: "أقول دائماً إنكم لستم مضطرين إلى شراء منتجنا".
النوم الجيد يبدأ بالعادات السليمة
تبقى أساسيات النوم الجيد محل اجماع. فخلال النهار، يُنصح بالتعرض لأشعة الشمس، واتباع نظام غذائي صحي، والحد من استهلاك الكافيين والكحول، وممارسة قدر من النشاط البدني. أما ليلاً، فمن الأفضل النوم في غرفة مظلمة وهادئة ومنعشة.
بعد ذلك، يمكن تعزيز هذه العادات بخطوات إضافية. تقول كانتا أحمد، اختصاصية طب النوم والأستاذة المشاركة في الطب بكلية الطب التابعة لجامعة "إن واي يو لانغون" في لونغ آيلاند، إنها تحيل كثيراً من مرضاها إلى برامج "التثقيف السلوكي للنوم" التي تركز على ترسيخ العادات التي يعرفها معظم الناس لكنهم لا يلتزمون بها، مثل الحفاظ على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة، و"حماية إجمالي ساعات النوم" (وغالباً ما يعني ذلك الذهاب إلى الفراش في وقت أبكر)، إضافة إلى الامتناع عن استخدام الشاشات في الساعات التي تسبق النوم، أو على الأقل تقليص استخدامها بشكل كبير.
وأشارت أحمد إلى أن أجهزة تتبع النوم قد تكون مفيدة لبعض الأشخاص، لكنها تحذر من استخدام الأجهزة التي تصدر ضوءاً.
يمكن لكثيرين أن ينعموا ببيئة نوم مظلمة وهادئة وباردة بسهولة نسبية، كما تتوافر وسائل منخفضة التكلفة لتحقيق ذلك إذا لم تكن غرفة النوم مهيأة بطبيعتها. فقناع النوم، على سبيل المثال، لا يتجاوز سعره بضعة دولارات، كما تستطيع أجهزة الضوضاء البيضاء حجب الأصوات المحيطة بكلفة تقل كثيراً عن سماعات الأذن المتطورة.
أما بالنسبة لأولئك الذين يواجهون صعوبات في النوم حتى بعد تأمين هذه الأساسيات، فإن تغيير السلوكيات أكثر أهمية، وإن كان أصعب.
فقد يبدو شراء جهاز لتحفيز العصب المبهم مقابل 499 دولاراً، أو الاشتراك الشهري في لصقات "سايلنت نايتس" (Silent Nights) مقابل 70 دولاراً، أسهل من التوقف عن استخدام الهاتف قبل النوم. لكن من الأفضل البدء بالحلول المجانية أولاً، وإذا استمرت المشكلة، استشر طبيبك، لا "أمازون".




