في اليوم الوطني السعودي، لم تعد قصة التقنية في المملكة تُرى فقط في شاشة هاتف أو خدمة حكومية انتقلت إلى العالم الرقمي. خلف الشاشة تتشكل اليوم طبقات أكثر عمقا، مراكز بيانات، ومعالجات متقدمة، ونماذج تتعلم العربية، وجيل يتدرج مع الذكاء الاصطناعي من الفصل الدراسي إلى الجامعة ثم سوق العمل.
وبعد سنوات ركزت فيها السعودية على نشر التقنية وتوسيع استخدامها، تتجه المرحلة الجديدة إلى بناء قدر أكبر من الاقتصاد الذي ينتجها.
قبل أعوام قليلة، كان يمكن اختصار جانب كبير من التحول التقني السعودي في شاشة هاتف. معاملة حكومية أصبحت رقمية، تطبيق جديد يصل إلى ملايين المستخدمين، اتصال أسرع، أو خدمة مصرفية تختصر دقائق من الانتظار. كانت الشاشة الواجهة الأكثر وضوحا لبلد يقطع مسافة متسارعة نحو الاقتصاد الرقمي.
الصورة أتسعت مع رؤية 2030، فخلف تلك الشاشة ظهرت مواقع إنشائية تحتاج إلى الكهرباء والتبريد والألياف البصرية، وعقود تقاس بمئات الميجاواطات، وآلاف المعالجات المتقدمة، ونماذج لغوية عربية، وبرامج تعليمية تسعى إلى نقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة يستخدمها الفرد إلى معرفة يستطيع أن يبني فوقها.
تغيرت ببساطة وحدة القياس، فلم يعد التحول يقاس فقط بسرعة وصول التقنية إلى المستخدم، بل يتسع ليشمل مقدار ما تستطيع السعودية بناءه من البنية والمعرفة والقيمة الاقتصادية الموجودة خلفها.
السوق جاءت أولا
اقتصاد الذكاء الاصطناعي لا يبدأ من الخوادم. يحتاج قبل ذلك إلى سوق تعرف كيف تعيش رقميا، وإلى شركات اعتادت نقل بياناتها وأعمالها إلى الشبكة، وإلى مستهلك لا يتعامل مع التقنية بوصفها تجربة جديدة.
وهذه قاعدة راكمتها السعودية على مدى سنوات. في 2025، استخدم الإنترنت 99% من الأفراد بين 15 و74 عاما، وارتفعت النسبة بين السعوديين إلى 99.3%. وتجاوز الأمر مجرد الاتصال، إذ استخدم 98.2% من السعوديين المشمولين بالإحصاءات الخدمات الحكومية عبر الإنترنت، فيما اشترى 80.2% منهم سلعا أو خدمات رقميا.
هذه الأرقام تعني أن الذكاء الاصطناعي يدخل اليوم إلى بيئة اعتاد فيها المواطن إدارة جانب متزايد من حياته عبر الشاشة، من الخدمات الحكومية إلى المصرف والمتجر.
والصورة ذاتها بدأت تظهر داخل قطاع الأعمال. بلغت نسبة المنشآت السعودية التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي 33.1% في 2025، بزيادة 20% عن العام السابق. وترتفع النسبة إلى 61.1% في قطاع المعلومات والاتصالات، و52.9% في المال والتأمين، و51% في التعليم، وفقا لبيانات هيئة الإحصاء.
كما تستخدم أكثر من نصف المنشآت خدمات الحوسبة السحابية، وهي إحدى البنى الأساسية التي تستند إليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وهكذا لم تعد السعودية توسع سوقا رقمية فقط. المرحلة التالية تتعلق ببناء جزء أكبر من المصنع الذي يغذي هذه السوق.

الذكاء الاصطناعي يتوسع داخل قطاع الأعمال السعودي؛ استخدمت 33.1% من المنشآت تقنياته في 2025
ثلث المنشآت في السعودية تستخدم تقنيات الذكاء الإصطناعي-02
حين دخل الميجاواط إلى القصة
بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي 15.8% من الناتج المحلي في 2025، مقارنة بـ15% في العام السابق، بحسب تقرير رؤية السعودية 2030.
ومع اتساع هذا الاقتصاد، انتقل الاهتمام تدريجيا من الخدمات التي تظهر فوق الشاشة إلى البنية التي تعمل خلفها.
من هذه الزاوية يمكن قراءة تأسيس "هيوماين". فالشركة لم تُبن حول تطبيق واحد، بل حول سلسلة تمتد من مراكز البيانات والبنية السحابية إلى النماذج والحلول، بما يقرب الطاقة والحوسبة والبرمجيات من بعضها داخل منظومة واحدة.
وهنا دخل إلى النقاش التقني السعودي رقم كان ينتمي سابقا بصورة أكبر إلى عالم الكهرباء والصناعة الثقيلة، الميجاواط.
أخيرا ارتفعت السعة المخطط لها في مشروع لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بين "هيوماين" و"المعمر لأنظمة المعلومات" من 50 إلى 250 ميجاواط. وفي أوكساجون بنيوم، بدأت "هيوماين" و"داتا فولت" أعمال إنشاء أول 100 ميجاواط ضمن مشروع تستهدف مرحلته الأولى 360 ميجاواط.
وهذه الأرقام تعبر عن حجم الطموح، لكنها تعبر أيضا عن طبيعة المرحلة. فالسعة المخطط لها تختلف عن السعة المتعاقد عليها، وهذه بدورها تختلف عن القدرة التي دخلت الخدمة فعليا.
والدقة هنا لا تقلل من حجم ما يجري، بل تضعه في سياقه الصحيح. السعودية تبني قدرة جديدة على نطاق كبير، وستظهر قيمتها الاقتصادية بصورة أوضح مع انتقال المشروعات من الإنشاء إلى التشغيل ثم الاستخدام التجاري.
الميجاواط في اقتصاد الذكاء الاصطناعي يشبه، إلى حد ما، مساحة المصنع في الاقتصاد الصناعي. كلما زادت الكهرباء والحوسبة المتاحة، أمكن تشغيل مزيد من المعالجات وتدريب نماذج أكبر وخدمة عدد أوسع من التطبيقات.
لكن مركز البيانات وحده لا يصنع اقتصادا متكاملا.
من الكهرباء إلى السيليكون
داخل المبنى تبدأ طبقة أخرى. الخوادم تحتاج إلى رقائق متقدمة، والرقائق تحتاج إلى برمجيات، والبرمجيات تحتاج إلى مهندسين، وكل ذلك يحتاج في النهاية إلى شركات وأفراد قادرين على تحويل القدرة الحاسوبية إلى منتج له قيمة اقتصادية.
لهذا جاءت الشراكات التقنية الدولية بوصفها طريقا لتسريع بناء هذه الطبقة. تستهدف شراكة "هيوماين" مع "أيه إم دي" نشر ما يصل إلى 500 ميجاواط من البنية الحاسوبية على مدى خمس سنوات باستثمارات مشتركة تصل إلى 10 مليارات دولار.
كما أعلنت "إنفيديا" أن المرحلة الأولى من تعاونها مع الشركة تشمل حاسوبا فائقا يضم 18 ألف نظام GB300 Grace Blackwell.
هذه الصفقات توفر قدرة حاسوبية كبيرة، لكنها تفتح مسارا اقتصاديا أوسع يتعلق بتراكم المعرفة داخل السعودية. فالرقاقة المستوردة توفر قدرة فورية، أما المهندس الذي يفهم بنيتها ويطور التطبيقات والأنظمة التي تعمل فوقها فيضيف معرفة يمكن أن تتراكم عبر سنوات.
ومن هنا تكتسب المبادرات المرتبطة بالهندسة ونقل المعرفة أهمية موازية للاستثمار في المعدات. ويتضمن التعاون مع "كوالكوم"، على سبيل المثال، إنشاء مركز هندسي للذكاء الاصطناعي في الرياض، إلى جانب جهود لبناء مهارات مرتبطة بأشباه الموصلات.
المعادلة في هذه المرحلة لا تقتصر على امتلاك الحوسبة، بل تتسع إلى زيادة مقدار المعرفة التي تبقى معها داخل الاقتصاد.
حين تتعلم الآلة العربية
طبقة أخرى من هذه القصة تظهر في النماذج نفسها. كان "علّام" من المحاولات المبكرة لبناء نموذج يركز على اللغة العربية، قبل أن تتوسع التجربة مع نماذج وتعاونات أخرى.
وأخيرا، أصبح "HUMAIN M3" متاحا ويضم النموذج 428 مليار معامل، ينشط منها نحو 23 مليارا خلال كل عملية معالجة، وخضع لتدريب يتضمن أكثر من تريليون وحدة لغوية عربية.
في اقتصاد تقني عالمي شديد الترابط، لا يتطلب بناء القدرة المحلية تصنيع كل قطعة داخل الحدود. القيمة تتسع عندما تتحول الشراكات الخارجية إلى معرفة محلية، ثم إلى مهارات ومنتجات وشركات تستطيع مع الوقت أن تبني فوق ما استوردته.
وهنا يصل مسار الميجاواط والرقاقة والنموذج إلى أكثر عناصره حسما.
الإنسان خلف الآلة
يمكن بناء مركز بيانات وشراء خوادم والتعاقد مع أكبر شركات الرقائق في العالم خلال سنوات محدودة. أما المعرفة البشرية فتحتاج إلى زمن أطول، لأنها لا تُشترى كقطعة من المعدات.
ولهذا فإن مقدار القيمة التي يبقيها الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد السعودي سيتحدد بدرجة كبيرة بنوعية الإنسان الذي يقف أمام تلك الآلة.
بدأ هذا المسار من التعليم العام، حيث طُورت قدرات أكثر من 13 ألف معلم ومعلمة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته. وبحلول 2025، كانت 79% من الجامعات السعودية قد تبنت مقررات في التقنية والذكاء الاصطناعي، فيما اعتمدت أكثر من 30 جامعة مقرر الذكاء الاصطناعي إلزاميا في تخصصات مختلفة.
وفي سوق العمل، بلغت نسبة التوطين في الوظائف عالية المهارات 39.9% وفق تقرير برنامج تنمية القدرات البشرية لعام 2025.
غير أن اقتصاد الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى هرم واسع من المهارات. في قاعدته ملايين المستخدمين القادرين على توظيف التقنية في العمل، وفوقهم أطباء ومصرفيون ومهندسون ومحاسبون يستطيعون استخدامها داخل تخصصاتهم، ثم مطورون وعلماء بيانات، وصولا إلى الباحثين ومهندسي النماذج والأنظمة والرقائق.
اتساع القاعدة يمنح السوق سرعة في التبني. وعمق الطبقات الأعلى هو الذي يزيد قدرة الاقتصاد على الابتكار والإنتاج والتصدير.
لهذا تكتسب الأطر التي أطلقتها "سدايا" لبناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي دلالة تتجاوز عدد المتدربين. فهي تسعى إلى تقريب التعليم والتدريب وسوق العمل من لغة مهارية مشتركة، بحيث يصبح القياس مرتبطا بما يستطيع المتعلم تنفيذه بعد التدريب، لا بعدد الساعات التي قضاها فيه.
قاعدة لا تبدأ من الصفر
تمتلك السعودية اليوم عنصرين يمكن البناء عليهما معا.
الأول سوق رقمية واسعة الاستخدام، اعتاد فيها المواطن الخدمات الإلكترونية ودخل الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى جزء متزايد من الشركات.
والثاني قاعدة بشرية يتسع احتكاكها بالتقنية من المدرسة إلى الجامعة ثم الوظائف عالية المهارة.
هذه القاعدة تختصر جزءا مهما من الطريق. فالانتقال من الاستخدام إلى الإنتاج يحتاج إلى أن تتحول البنية التحتية إلى نشاط اقتصادي، وأن تتحول المعرفة إلى منتج، وأن يتحول المنتج إلى شركة قادرة على النمو داخل السعودية وخارجها.
من الشاشة إلى الاقتصاد
في اليوم الوطني السعودي، تبدو رحلة التقنية في المملكة أطول من المسافة بين هاتف أسرع وتطبيق أفضل.
قبل سنوات، رأى المواطن التحول مباشرة في شاشة هاتفه، في معاملة اختصرت، أو خدمة أصبحت أسهل، أو قطاع انتقل إلى العالم الرقمي.
اليوم، أصبح جزء أكبر من القصة يجري خلف تلك الشاشة. في مركز بيانات، وفي شريحة إلكترونية، وفي نموذج لغوي، وفي فصل دراسي، وفي جامعة، وفي مهندس سعودي يتعلم كيف يحول القدرة الحاسوبية إلى منتج يمكن استخدامه وتطويره وبيعه.
عند هذه النقطة تتحول الحوسبة من أصل مادي إلى معرفة تتراكم، وشركات تنمو، ووظائف عالية القيمة، وملكية فكرية وإيرادات تبقى داخل الاقتصاد.
وهذه هي الطبقة الجديدة في قصة السعودية مع الذكاء الاصطناعي، بلد بنى خلال عقود قاعدة رقمية واسعة، ويعمل اليوم على تحويل هذه القاعدة إلى قدرة إنتاجية ومعرفية أكبر، في مسار لا يتوقف عند استخدام تقنيات المستقبل، بل يمتد إلى المشاركة في صناعتها.

