الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

طرحت هيئة السوق المالية مشروع الأحكام التنظيمية المرتبطة بتحسين ممارسات الطروحات الأولية لاستطلاع آراء العموم والمشاركين في السوق، على مدى 30 يوما تنتهي في 22 أكتوبر المقبل.

والمشروع ليس بداية جديدة، بل حلقة في مسار بدأته الهيئة منذ سنوات لمعالجة جودة الطلبات في بناء سجل الأوامر، والتحقق من ملاءة المستثمرين وقدرتهم على دفع قيمة ما يطلبونه. غير أنه يذهب هذه المرة أبعد، يضيّق بعض الممارسات القائمة، ويفصّل متطلبات كانت عامة، ويضيف أحكاما جديدة تتعلق بطريقة إثبات السيولة، وإلزامية الطلبات، وتوقيت التزام متعهد التغطية، والإفصاح عن التوقعات المالية للشركة.

لذلك لا تكفي قراءة المشروع بوصفه مجموعة قواعد جديدة. فالأهم هو التمييز بين 3 أمور ما كان مطبقا أصلا بموجب اللوائح والتعاميم السابقة، وما يُعاد الآن ضبطه وتشديده، وما يمثل إضافة جديدة فعلا. وعلى هذا التمييز يتوقف فهم أثره الحقيقي.

فالقواعد الحالية وضعت منذ سنوات أسسا للتحقق من جدية الطلبات وقدرة المستثمرين على الوفاء بها، بينما يذهب المشروع الجديد إلى مستوى أكثر تفصيلا، عبر تحديد أوضح لما يعد طلبا قابلا للتنفيذ، وكيفية إثبات القدرة المالية على تغطيته، والمرحلة التي يتحول فيها إلى التزام، إلى جانب توسيع المعلومات المتاحة للمستثمر قبل اتخاذ قراره بشأن السعر.

وقد تكون النتيجة نسب تغطية أقل إبهارا، لكنها أصدق في التعبير عن الطلب، وسجل أوامر أقل استعراضاً للأرقام، وأقدر على أداء وظيفته الأساسية الوصول إلى سعر تقف خلفه أموال حقيقية.

تشديد على الملاءة المالية

يأتي مقترح التعديل الأخير في تشديد على نصوص سابقة، حيث الفقرة "هـ" من ثالثا في "تعليمات بناء سجل الأوامر وتخصيص الأسهم في الاكتتابات الأولية" نصت على "التحقق من توافر الملاءة المالية في الجهات المشاركة، والتأكد من صحتها، والتحقق من توافر الملاءة المالية في الجهات المشاركة، ومدى قدرتها على الوفاء عند التخصيص بقيمة الأسهم التي تطلبها في طلب المشاركة، وذلك قبل تسجيل طلبات المشاركة".

وتبعها تعميم هيئة السوق الصادر في أغسطس 2020، بشأن مشاركة المحافظ المدارة في بناء سجل الأوامر للاكتتابات الأولية والطروحات المقتصرة على المستثمرين ذوي الطابع المؤسسي. ذلك التعميم رصد بالفعل ممارسات من بينها عدم مراعاة حجم تمويل العميل الفرد عند المشاركة في بناء سجل الأوامر، وتقديم طلبات غير حقيقية وغير قابلة للتخصيص، إضافة إلى قبول مشاركة محافظ دون التحقق من ملاءمة الصفقة للعميل أو من الصلاحيات الممنوحة لمدير المحفظة.

ثم جاء تعميم آخر في يناير 2022 ليحدد نطاق "الملاءة المالية" في التغطية النقدية أو الترتيبات اللازمة لتغطية قيمة الطلب. كما طلب عدم استخدام مصطلح "الأموال المجمعة أو المحصلة" عند الإعلان عن نسبة التغطية، والاستعاضة عنه بإجمالي حجم الطلبات.

ما استجد في هذا الشأن أن الهيئة تريد الآن تضييق تعريف "الملاءة المالية" لحصرها في "النقد" أو "شبه النقد"، مثل الأوراق المالية التي يمكن تحويلها إلى نقد خلال المدة المحددة لسداد قيمة الاكتتاب. وهنا ينتقل التنظيم من مبدأ واسع إلى اختبار أكثر وضوحا.

فتعميم يناير 2022 كان يسمح بالاستدلال على القدرة المالية من خلال السيولة أو "الترتيبات اللازمة" للتغطية. أما المقترح الجديد فيضيق المساحة ويجعل نقطة الارتكاز هي الأموال التي يمكن فعليا تحويلها إلى قيمة الاكتتاب خلال المهلة المحددة.

قد يسهم هذا التعديل المقترح بانخفاض بعض نسب تغطية الاكتتابات مستقبلا. لكن انخفاض الرقم هنا لا يعني بالضرورة ضعف الطلب، بل ربما يعني أن الرقم أصبح أقرب إلى الأموال الموجودة فعلا خلف الطلبات.

التعديل يحسم إلزامية الطلب

تسمح التعليمات الحالية للمستثمرين المشاركين في بناء سجل الأوامر بتغيير طلباتهم أو إلغائها في أي وقت خلال فترة البناء، بتقديم طلب معدل أو إلحاقي. وقد أبقى المشروع هذه المرونة كما هي.

لكنه أضاف ما لم يكن منصوصاً عليه من قبل: الطلبات الرسمية المستلمة تصبح ملزمة الدفع، في موعد أقصاه آخر يوم لسداد قيمة الاكتتاب.

عمليا، يبقى المستثمر حرا في مراجعة موقفه طوال فترة بناء السجل، فيزيد طلبه أو يخفضه أو يسحبه. لكن حين تنتهي الفترة، يصبح آخر طلب قائم باسمه التزاماً مالياً يجب الوفاء به، لا مجرد رغبة أبداها.

وحتى يكون هذا الالتزام واضح الحدود، أضاف المشروع قاعدة مكملة: طلب المستثمر عند سعر معين داخل النطاق السعري يُعدّ قائماً عند كل سعر أدنى منه.

فإذا كان النطاق السعري، على سبيل المثال، بين 40 و50 ريالاً، وتقدم مستثمر بطلب شراء مليون سهم عند 47 ريالاً، فإن طلبه يُحتسب تلقائياً عند 46 و45 ريالاً، وصولاً إلى الحد الأدنى للنطاق. فمن يقبل الشراء بسعر أعلى يقبله من باب أولى بسعر أقل.

هذا المنطق معمول به عرفا في الأسواق العالمية، لكن تحويله إلى نص ملزم له أثران عمليان.

الأول أنه يغلق باب النزاع. فلو تحدد السعر النهائي عند 45 ريالاً، لا يستطيع المستثمر الذي طلب عند 47 أن يحتج بأنه لم يلتزم إلا بالسعر الذي ذكره.

والثاني أنه يجعل سجل الأوامر منحنى طلب متصلا، يعرف منه المستشار المالي حجم الطلب الفعلي عند كل مستوى سعري، فيحدد السعر النهائي على أساس واضح.

وينعكس ذلك مباشرة على متعهد التغطية، فحين تُجمع الطلبات المقدمة بأسعار أعلى ضمن الطلب عند الأسعار الأدنى، يكبر الطلب المحتسب عند الحد الأدنى للنطاق، فتصغر الأسهم التي قد يضطر المتعهد إلى شرائها إذا جاء الطلب ضعيفا، ويتراجع معها احتمال أن تتسع حصته إلى حد يُخرجها من ملكية الجمهور والبالغة 5%.

تغير توقيت تعهد التغطية والمخاطر

إلزام الطرح بالتغطية الكاملة ليس جديداً، فالجديد في المشروع هو توقيت الالتزام. فبدلاً من أن تُوقَّع اتفاقية التغطية قبل بدء الاكتتاب، كما هو معمول به اليوم، تقترح الهيئة أن تكون موقعة ونافذة قبل بدء بناء سجل الأوامر، ليصبح المتعهد ملزما بشراء كامل أسهم الطرح منذ اليوم الأول.

وهذا ليس تغييرا شكليا. فالمتعهد يعرف النطاق السعري مسبقا، لكنه لا يعرف حجم الطلب. واليوم يوقّع الاتفاقية بعد انتهاء بناء السجل، فيكون قد اطلع على الأقل على حجم طلب المؤسسات والسعر النهائي، وإن بقي اكتتاب الأفراد مجهولا. أما في المقترح، فيلتزم قبل أن يرى طلبا واحدا في السجل. وفي المقابل، يخفف المشروع جزءاً من هذا الخطر حين يجعل الطلبات مضمونة وملزمة.

ويذهب المشروع أبعد من ذلك. في حالة نتج عن تملك متعهد التغطية لأسهم الطرح إخلالا بالمتطلبات اللازمة للإدراج، مثل الأسهم الحرة، فإن أسهم المصُدر لا تُدرج، مع قيام متعهد التغطية بشراء جميع أسهم الطرح.

وقد يترتب على ذلك آثار على المتعهد من بينها، الأسهم التي كان سيملكها مؤقتا قبل إدراجها تصبح أسهما في شركة غير مدرجة، تعاملها قواعد الكفاية المالية بوزن مخاطر أعلى بكثير، وقد تستهلك ما يقارب قيمتها كاملة من رأس ماله إذا تجاوزت حد التركّز.

إضافة إلى أن الإقبال قد يضعف، حالة عدم رغبة متعهد التغطية في تعرض كبير لأسهم غير مدرجة في ميزانيته، خاصة وأن اعادة طرحها للاكتتاب قد تتم بأسعار مختلفة إلى جانب التكاليف.

توقعات مالية إلزامية

أما الجزء الذي يمثل إضافة أكثر وضوحا مقارنة بالإطار الحالي، فهو ما يتعلق بالمعلومات المستقبلية. القواعد النافذة تلزم نشرة الإصدار بتقديم المعلومات اللازمة لتمكين المستثمر من تقييم نشاط الشركة وأصولها والتزاماتها ووضعها المالي وإدارتها وفرصها المتوقعة.

لكن هذا لا يعني وجود التزام عام بتقديم أرقام مالية مستقبلية محددة. المشروع الجديد يغير ذلك، إذ يقترح تضمين نشرة الإصدار أو مستند التسجيل إفادات وتوقعات مستقبلية للمصدر، تشمل مؤشرات للأداء المالي لفترة لا تقل عن سنة مالية واحدة.

ويشترط أن تكون هذه التوقعات واضحة، غير مضللة، قائمة على أسس معقولة وقابلة للقياس. كما يضع على المستشار المالي التزاما ببذل العناية المهنية والوصول إلى رأي معقول بشأنها.

وهنا يصبح لدى المستثمر شيء لم يكن متوافرا بالضرورة في جميع الطروحات سابقاً مرجعية كمية مستقبلية يمكن أن يقارن بها أداء الشركة بعد الإدراج.

وحدة التحليل المالي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية