"هناك ما يشبه حالة إدمان نفطية في السعودية، وهذا هو الخطر الحقيقي"، هذا ما قاله الأمير محمد بن سلمان في لقاء تليفزيوني وبمناسبة طرح حصة من عملاق النفط السعودي أرامكو للاكتتاب العام.
الآن وبعد مرور العقد الأول من عمر رؤية 2030 يمكن القول أن الاقتصاد السعودي قد تخلص من هذه الحالة من الإدمان، ليحول هذا البرنامج الإصلاحي الاقتصاد السعودي من الاعتماد على النفط فتحكمه دوراته الاقتصادية إلى تنوع في الإيرادات والأنشطة الاقتصادية.
هذا التنوع منح الاقتصاد مرونة في مواجهة الصدمات، ما دفع لتوقعات لبقائه بين أعلى دول العشرين نموا، متوقع هذا العام وجوده بين أسرع 6 اقتصادات نموا بين دول المجموعة، بينما ثالث أسرع دول G20 نموا العام المقبل، بحسب توقعات صندوق النقد الدولي.
مرونة اقتصادية برزت في جائحة كورونا 2020 والحفاظ على الإنفاق الحكومي رغم تداول النفط بالسالب في ذروة الأزمة، كذلك تمكنت من خفض إنتاج النفط عند الحاجة في 2023 وحتى مطلع 2025 رغم ذلك تواصل النمو الاقتصادي، وأخيرا سمحت هذه المرونة للسعودية بالتعامل مع الحرب الإيرانية، ونجاحها في إيجاد طرق تصدير بديلة لمواصلة إمداداتها للأسواق العالمية بعيدا عن مضيق هرمز.
بعد مرور عقدا على الرؤية أصبح القطاع غير النفطي يمثل 55% من الاقتصاد والقطاع الخاص أكثر من نصفه للمرة الأولى تاريخيا، وبات 45% من الإيرادات الحكومية "غير النفطية" مقابل 27% في 2015، بل 10% قبل ذلك.
قبل رؤية 2030، كان الاقتصاد السعودي يعتمد بشكل كبير على النفط، الذي شكل 90% من إيراداته، ما جعله عرضة لتقلبات أسواق الخام والتي أثرت بشكل رئيسي في مسار التنمية. لذا، يُشكل التنوع الاقتصادي جوهر رؤية 2030، حيث يُعد تحقيقه مؤشراً هاماً على نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي، لأن عديدا من الأهداف الأخرى تعتمد بدرجة كبيرة على هذا التنوع.

ركائز رئيسية للتحول
ركز التنوع الاقتصادي على تنمية القطاع غير النفطي، ولا سيما القطاع الخاص عبر 3 محاور رئيسية، الأول إعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة ليصبح فاعلا في الاقتصاد ومحركا رئيسيا له عبر تركيزه على الاستثمار في قطاعات اقتصادية واعدة.
من أبرز هذه القطاعات، التعدين، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والسياحة، والترفيه، ليلعب دورا رئيسيا في دعم القطاع غير النفطي.
من ناحية أخرى، تم طرح حصة من شركة أرامكو السعودية لاستخدام التدفقات النقدية الناتجة عنها في تنويع الاقتصاد عبر الاستثمار في القطاعات غير النفطية، فيما ثالث المحاور كان خصخصة عديد من القطاعات التقليدية مثل المطاحن والمطارات وقطاعات مستهدفة أخرى وجاري العمل عليها مثل الصحة والتعليم والمياه وغيرها.
الناتج يقترب من 5 تريليونات لأول مرة
الإجراءات الإصلاحية والهيكلية دعمت مواصلة نمو الاقتصاد السعودي بأكثر من 30% منذ 2016 حتى نهاية 2025 مقتربا من 5 تريليونات عند 4.9 تريليون ريال، ليتجاوز مستهدف العام البالغ 3.89 تريليون، فيما مستهدف بلوغه 6.5 تريليون ريال في 2030 ما يعني استهداف تضاعف الاقتصاد خلال 15 عاما.
نمو اقتصادي يفوق التوقعات
تجاوز نمو الاقتصاد السعودي التوقعات في 2025 بعد أن تسارع إلى 4.5% ارتفاعا من 2.6% في 2024.
نمو الاقتصاد السعودي العام الماضي يعد الأفضل خلال 3 أعوام مع عودة القطاع النفطي للنمو بـ5.7% مع زيادة إنتاج النفط بعد عامين من الانكماش، ومواصلة القطاع غير النفطي نموه للعام الخامس على التوالي عند 4.9%.
الاقتصاد السعودي كان قد نما 0.5% في 2023 مع خفض إنتاج النفط، بينما نما 2.6% في 2024، بينما كان قد نما 12% في 2022.
ابتداء من أبريل 2025، بدأت السعودية ضمن تحالف أوبك+ زيادة إنتاجها في ظل أوضاع السوق والأساسيات الاقتصادية المحلية.
إنتاج السعودية من النفط كان قد انخفض إلى نحو 9 ملايين برميل منذ الربع الثالث 2023 وحتى الربع الثاني من العام الجاري، ليصل إلى 9.2 مليون برميل، ثم إلى 9.7 مليون برميل في الربع الثالث. فيما يصل إلى 10 ملايين برميل يوميا في الربع الرابع 2025.
القطاع غير النفطي والخاص .. ركيزتان لتعزيز التنوع
مع التنوع الاقتصادي حققا القطاعان غير النفطي والخاص أعلى مساهمة في الناتج تاريخيا عند 55% و51% على التوالي، ليتجاوز القطاع الخاص المستهدف لعام 2025 البالغ 47%، ويتجاوز خط الأساس بـ7 نقاط مئوية، فيما مستهدف بلوغه 65% في 2030.
مراحل التحول للقطاع الخاص تتواءم مع مراحل تنفيذ رؤية السعودية 2030، كانت المرحلة الأولى ركزت على قاعدة صلبة والإصلاحات اللازمة لدعم القطاع مثل برنامج تيسير لتحسين بيئة العمل الذي نفذ 900 إصلاح تنظيمي، سهلت إجراءات الاستثمار وجذبت المستثمرين.
بجانب ذلك تم إنشاء المركز الوطني للتنافسية لتعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، وإزالة العقبات التي تعوق النمو الاقتصادي.
المرحلة الثانية تمثلت في جذب الاستثمارات وتمكين القطاع الخاص عبر إطلاق الإستراتيجية الوطنية للاستثمار مع خلق بيئة محفزة وتسهيل دخول الشركات الأجنبية.
نتج عن هذه العوامل استثمارات كبيرة في قطاعات واعدة مثل السياحة والترفيه والتقنية، ما أدى بدوره لزيادة المستثمرين الدوليين بأكثر من 10 أضعاف 2016، وزادت الاستثمارات غير النفطية إلى 797 مليار ريال دافعة إلى نموها، لترتفع مساهمة الاستثمار في الاقتصاد من 22% إلى 30%، وأصبح الاقتصاد غير النفطي أكثر من نصف الناتج.
تأتي الثالثة متزامنة مع التقدم الكبير في إنجاز المشاريع الكبرى وافتتاح بعض منها، وهو ما يوفر فرصا أوسع للقطاع الخاص من خلال المشاركة في التشغيل والاستفادة من تسارع الأعمال.
إلى جانب ذلك، تركز المرحلة على استدامة نمو الاستثمارات والقطاع الخاص لقيادة النمو الاقتصادي، وذلك عبر استغلال الفرص التي ستتولد خلال السنوات القادمة، خصوصا مع نضج المناطق الاقتصادية الخاصة التي ستجذب مزيدا من الاستثمارات، إضافة للتوسع في استقبال السياح واستضافة الفعاليات والبطولات الرياضية الكبرى، الأمر الذي سيفتح آفاقا استثمارية أوسع.

الإيرادات غير النفطية تتضاعف
الإيرادات غير النفطية قفزت 172% منذ 2016 لتبلغ 505 مليارات ريال صاعدة أكثر من 200% عن مستويات 2015 قبل الرؤية، فيما أصبحت تمثل 45% من إجمالي إيرادات الدولة في 2025 وتمول 38% من الإنفاق الحكومي للعام ذاته، مقابل 27% و17% على التوالي في 2015 قبل الرؤية، فيما كان المعدلين قرب 10% فقط قبل 2015.
هذا التنوع ساهم في التحرر من الاعتماد على الإيرادات النفطية وحدها، ما يمنح استدامة في الإنفاق ودفع عجلة التنمية دون التأثر بتقلبات أسعار النفط بشكل كبير.

توقعات متفائلة للاقتصاد السعودي
تنويع الاقتصاد وإعادة هيكلة الميزانية دفعا المؤسسات الدولية لمنح السعودية توقعات نمو إيجابية تضعها بين الأفضل في دول العشرين، كذلك تصنيفات ائتمانية من بين الأعلى عالميا من حيث الجدارة الائتمانية لتكون منافسا لكبرى الدول في العالم.

لماذا التنوع شريان الرؤية الرئيسي؟
ويعد تنويع الاقتصاد شريان الرؤية الرئيسي لأن نجاحه ينعكس على نجاح معظم مستهدفات الرؤية الأخرى.
على سبيل المثال لا الحصر، تنويع الاقتصاد والاستثمار في قطاعات جديدة مثل السياحة والترفيه والخدمات اللوجستية يزيد ناتجها المحلي ويدعم تحقيق أهدافها مثل ارتفاع مساهمة السياحة في الناتج إلى 4.4% وتجاوز مستهدف 100 مليون سائح محلي ووافد من الخارج.
تنويع الاقتصاد والتركيز على قطاعات جديدة يزيد إيرادات هذه القطاعات بالتالي الإيرادات غير النفطية إجمالا كما حدث وتجاوز 500 مليار ريال في 2024.
كذلك دعم القطاع الخاص يدفعه لخلق عدد أكبر من الوظائف ما يسهم في خفض البطالة، وهو ما حدث بخفض معدل البطالة إلى 7% في 2024 ليصل إلى مستهدف 2030 قبل الموعد بـ6 أعوام.
كما دعم تنويع الاقتصاد إلى زيادة مضطردة في الاستثمارات الأجنبية ليزيد المستثمرين الأجانب 10 مرات مقارنة بـ2016 وتجاوزت الاستثمارات الأجنبية المستهدفات.
كيف سارت رحلة التنوع الاقتصادي؟
رحلة التنمية الاقتصادية في السعودية مرت عبر مراحل متعددة، بدأت بتأسيس الهياكل التنظيمية قبل اكتشاف النفط بكميات تجارية.
مع ارتفاع الإيرادات النفطية، شهد الاقتصاد السعودي نمواً ملحوظاً، وتطورت القطاعات الاقتصادية لتوفير وظائف وفرص استثمارية، ما ساهم في زيادة عدد السكان إلى أكثر من 18 مليون نسمة.
نظرا لاعتماد الاقتصاد على الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي، ظهرت الحاجة لتنويع مصادر الدخل استجابة للتغيرات الاقتصادية.
رؤية السعودية 2030 جاءت لتستغل الفرص المتاحة في مختلف القطاعات مثل الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية، بهدف تعزيز الاقتصاد وفتح مجالات جديدة للتنمية وزيادة الناتج المحلي الإجمالي. تم تنفيذ إصلاحات تنظيمية وتشريعية وهيكلية لدعم التحول، مما ساعد على تطوير القطاعات غير النفطية وتعزيز القيمة الاقتصادية للقطاعات النفطية.
كان لإعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة دور في تحقيق هذا التحول من خلال دعم القطاعات الواعدة وتعزيز دور القطاع الخاص.
كما تضمنت الإصلاحات تحسين إدارة الميزانية العامة، لتعزيز الشفافية وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة، مستفيدة من الوضع المالي المتين والقدرة على تنويع مصادر التمويل لتركيز الإنفاق على تطوير القطاعات التنموية.
كيف انعكست الإصلاحات على الاقتصاد؟
نتيجة لهذه الإصلاحات، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي تريليون دولار، مدفوعاً بنمو الأنشطة غير النفطية التي تشكل الآن جزءاً كبيراً من الاقتصاد أكثر من النصف، كما زادت مساهمة القطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ما ساهم في خفض معدلات البطالة لمستويات تاريخية.
اليوم، يقف الاقتصاد السعودي على أسس قوية تمكنه من مواجهة التحديات والنمو المستدام، بفضل السياسات المرنة والتقييم المستمر للأولويات، ما يجعل التحول الذي شهدته السعودية نموذجاً في الإصلاح الشامل.
وحدة التحليل المالي




