الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

لطالما وُصف جيل زد بالكسل، رغم أن بعض الدراسات تُشير إلى خلاف ذلك. الأمر يتعلق أكثر باختلاف نظرتهم تجاه بيئات العمل والتوازن بين العمل والحياة.

 في منشور حديث على موقع ريديت، حذف جزء منه لاحقا، أثار أحد موظفي جيل زد نقاشا مثيرا للاهتمام: هل كان ينبغي توبيخه من الرئيس التنفيذي مباشرة لمغادرته المكتب مبكرا بـ10 دقائق؟

حصلت وسائل إعلام أخرى على صور من منشور ريديت تُظهر الحوار بين الرئيس التنفيذي والموظف، وطرحت سؤالا بسيطا: "هل هذا أمر طبيعي؟"

الانتشار الواسع للمنشور لم يكن بسبب الدقائق العشر بحد ذاتها، بل بسبب ما كشفه الموظف من تفاصيل خلف الواقعة. فقد ذكر أن المديرين كانوا يتغيبون بشكل متكرر لأخذ استراحات تمتد لساعة، فيما كان زملاؤه يحصلون على استراحات لنحو 30 دقيقة دون أن يواجهوا أي ملاحظات، في حين قال إنه نادرا ما كان يأخذ استراحة فعلية.

كما أشار إلى أنه كان يتحمل بعض نفقات العمل من ماله الخاص، وينتظر 17 يوما لاستردادها، مضيفا أن أحد المشرفين ضغط عليه لتوظيف متدرب بدون أجر لإدارة محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، وإلا فسيكون مطالبا بإنتاج جميع محتويات الشركة للفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي بمفرده.

ورغم أن المحادثة جرت دون الكشف عن هوية طرفيها، ولا يمكن التحقق من صحتها، فإنها تطرح إشكالية في بيئة العمل قد يكون موظفون آخرون واجهوها من قبل. أثارت هذه القضية انقساما بين خبراء بيئة العمل الذين تحدثت إليهم مجلة "فورتشن"، إذ حمل بعضهم الرئيس التنفيذي مسؤولية ما حدث، بينما رأى آخرون أن الموظف يتحمل جانبا من المسؤولية.

رؤساء تنفيذيون يراقبون الساعة

يرى جيسون ووكر، الأستاذ المشارك في علم النفس الصناعي والتنظيمي والتطبيقي في جامعة أدلر، أن الموقف يمثل مشكلة بالنسبة إلى الرئيس التنفيذي.

قال: "إذا كان الرئيس التنفيذي يراقب الساعة بدلا من الصورة الأكبر، فهنا تكمن المشكلة. 10 دقائق ليست مشكلة تتعلق بالأداء، بل مؤشرا لمشكلة أعمق".

كان أول ما تبادر إلى ذهن ووكر هو السؤال الذي تجاهله الرئيس التنفيذي: لماذا غادر الشخص مبكرا؟ ربما لديه طفل مريض في المنزل، أو موعد، أو أن عمله قد انتهى بالفعل.

وقال: "القادة الذين يتجاهلون هذا السؤال يكونون قد حسموا الإجابة مسبقا، ويعرف موظفوهم ذلك (...) نحن نوظف بالغين، لذا يجب أن نثق بهم ونقيس إنتاجيتهم، لا وقت مغادرتهم".

وأضاف أن مراقبة الوقت بشكل متكرر غالبا ما تعكس عجز المؤسسة عن قياس إنتاجية الموظفين وإسهامهم الفعلي، فتكتفي بقياس الشيء الوحيد الذي يمكنها رؤيته بوضوح، وهو مدة بقائهم في المكتب، وغالبا ما يكون ذلك مؤشرا على وجود مشكلات إدارية أخرى.

من جانبه، قال نيك ليتون، خبير آداب السلوك والمشارك في تقديم بودكاست Were You Raised by Wolves?، إن المسألة تتعلق بما تُكافئ عليه بيئة العمل فعليا. وأوضح أن توبيخ الرئيس التنفيذي للموظف الذي يؤدي عمله على أكمل وجه لخروجه مبكرا بـ10 دقائق لا يعني بالضرورة تطبيق معايير العمل، بل يعني أن المظاهر أهم من النتائج.

مع ذلك، يقر ليتون أن بعض الوظائف تفرض بطبيعتها وقتا محددا لانتهاء العمل، مثل مضيف الطيران الذي لا يمكنه مغادرة الطائرة قبل انتهاء مهمته.

وأوضح أن البقاء حتى نهاية الدوام يكون جزءا أساسيا من الوظيفة عندما تكون طبيعة العمل تتطلب ضمان التغطية، لكنه يرى أن مراقبة ساعات الحضور والانصراف ينبغي أن تكون الخيار الأخير في معظم الوظائف.

وقال ليتون إنه إذا كان المعيار الوحيد لقياس أداء الموظف هو عدد الدقائق التي يقضيها الموظف جالسا على الكرسي، فقد يكشف ذلك أسلوب الإدارة في التقييم أكثر مما يكشفه عن أداء الموظف نفسه.

الرأي المخالف: المسألة تتعلق بـ"الاستحقاق"

لكن لم يتفق الجميع مع وجهة نظر الموظف. فقد وجهت كيم بود، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لوكالة الاتصالات 8THIRTYFOUR، انتقادها مباشرة إلى جيل زد.

قالت بود إن القضية لا تتعلق بمغادرة الموظف قبل انتهاء الدوام بـ10 دقائق أو بمراقبة الساعة، وإنما بمشكلة أكبر ترى أنها تنتشر بين الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية، وهي الشعور بالاستحقاق.

وأكدت أن هذه الدقائق ليست أمرا هينا، لأنها تتراكم مع الوقت، إلى أن يجد الموظف نفسه في النهاية قد أهدر ما يعادل يوم عمل كاملا من الحضور والتواجد وإنجاز المهام.

من جهتها، كانت لورين مارغوليس، مؤسسة شركة تطوير القيادة Training & Leadership Success، أكثر تسامحا، لكنها أشارت مع ذلك إلى أن المغادرة مبكرا قد تؤدي إلى نمط متكرر من السلوك غير المهني.

وصفت الأمر بأنه فشل في "إدارة الانطباع". فلو أن الموظف أشار إلى خروجه مبكرا مسبقا لكان ذلك دليلا على ذكائه العاطفي.

قد يكون الأمر مجرد سوء فهم بين جيلين مختلفين تماما. أظهر استطلاع رأي أجرته منصة الاجتماعات Meeting Canary في 2024، وشمل أكثر من ألف شخص بالغ، أن نحو نصف المشاركين الذين تراوح أعمارهم بين 16 و26 عاما يعتبرون الوصول متأخرا من 5 إلى 10 دقائق بمثابة الوصول في الوقت المحدد، لكن نسبة التسامح مع ذلك انخفضت إلى 20% بين جيل طفرة المواليد.

كان الخبراء الذين تحدثت إليهم "فورتشن" حذرين من التركيز المفرط على عامل السن في هذا النقاش.

قال لايتون: "بغض النظر عن عمرك، لدينا نحن البشر تاريخ طويل من التذمر من زملائنا في العمل (...) لا جديد في ذلك".

من جانبه، قال ووكر إن جيل زد ينظر إلى الإنتاجية بمعزل عن ساعات العمل، بينما لا يزال الموظفون الأكبر سنا يرون في وقت الجلوس دليلا على الجهد المبذول. لكن كثير منهم كانوا يشعرون بالأمر نفسه ولم يعبروا عنه.

أضاف أن الفجوة في القيم بين الأجيال أصغر مما نعتقد، لكن الفجوة في الاستعداد للتعبير كبيرة. فالاعتراض ليس جديدا، وإنما الجديد هو أن هذا الاعتراض أصبح اليوم يجد من يسمعه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية