الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

مشروع السعودية "أضاحي".. تحويل النسك إلى مورد غذائي يصل إلى مستحقيه

أحمد عزوز
أحمد عزوز من مكة المكرمة
الثلاثاء 2 يونيو 2026 16:50 |3 دقائق قراءة
مشروع السعودية "أضاحي".. تحويل النسك إلى مورد غذائي يصل إلى مستحقيه

مع إنتهاء موسم الحج، يقف مشروع السعودية للإفادة من الهدي والأضاحي "أضاحي"، بوصفه إحدى أكبر التجارب التنظيمية والإنسانية المرتبطة بالتكافل في العالم الإسلامي. 

مشروع لم يكتفِ بتنظيم شعيرة الذبح، بل أعاد صياغة مفهوم الاستفادة من الهدي والأضاحي، محولاً ملايين الذبائح الموسمية إلى منظومة متكاملة للعطاء والاستدامة والأمن الغذائي.

قبل عقود، لم يكن مشهد الهدي والأضاحي في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة كما نعرفه اليوم، فبعد الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، كان الحاج يختار هديه بنفسه أو يوكل من يذبحه عنه، وربما أخذ شيئاً من لحمه ثم غادر وقد أتم نسكه، غير أن الزيادة المطردة في أعداد الحجاج وضعت هذه الشعيرة أمام تحدٍ كبير: كيف يمكن التعامل مع مئات الآلاف من الذبائح في مساحة محدودة وخلال أيام معدودة دون أن تتحول إلى مشكلة صحية وبيئية؟.

ومع غياب الحلول التنظيمية آنذاك، كانت منى تشهد تكدساً هائلاً للذبائح ومخلفاتها، فيما تتجاوز كميات اللحوم المستهلك منها بكثير، وللتخلص من الفائض الهائل من اللحوم كان يلجأ إلى الدفن أو الحرق، في مشهد يجسد حجم التحدي الذي فرضته الأعداد المتنامية للحجاج، ويكشف الحاجة إلى منظومة حديثة تحفظ الشعيرة وتحقق الاستفادة من لحومها بدلاً من هدرها.

Mon, 01 2026

فكرة سعودية خالصة

بدأت ملامح مشروع "أضاحي" بفكرة سعودية خالصة تتشكل مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مع تنامي أعداد الحجاج وما صاحب ذلك من تحديات صحية وبيئية ولوجستية في إدارة مئات الآلاف من الذبائح خلال أيام معدودة داخل نطاق جغرافي محدود، يومها لم تكن المشكلة في أداء الشعيرة ذاتها، بل في كيفية الاستفادة من لحوم الأضاحي ومنع تلفها وهدرها بعد الذبح.

من هذا التحدي ولدت فكرة المشروع الذي تشرف عليه اليوم جهات متخصصة ضمن منظومة متكاملة، هدفها ضمان تنفيذ النسك وفق الأحكام الشرعية، وتحويل لحوم الهدي والأضاحي إلى مورد غذائي يصل إلى مستحقيه داخل المملكة وغالبيته العظمى إلى خارجها.

خلال أكثر من أربعة عقود، تطور المشروع من معالجة موسمية محدودة إلى واحدة من أكبر العمليات التشغيلية في موسم الحج، وتجاوزت طاقته الاستيعابية حالياً 1.1 مليون رأس من الأنعام، يعمل على خدمتها أكثر من 18 ألف كادر وعامل، فيما قاربت التعاقدات هذا الموسم 900 ألف رأس مع توقعات بتجاوز 1.2 مليون رأس.

تتم عمليات التنفيذ عبر ثمانية مجمعات تشغيلية متخصصة، تضم 7 مجمعات للأغنام ومجمعاً للإبل والأبقار، تعمل وفق منظومة تبدأ بالفحص البيطري والشرعي، مروراً بالذبح والتجهيز والتبريد والتغليف، وانتهاءً بالتوزيع على المستفيدين.

لا تقتصر قصة النجاح على إدارة الذبائح فقط، بل تمتد إلى إدارة الأثر البيئي المصاحب لها، فالمشروع يعالج نحو 10 آلاف طن من النفايات خلال الموسم، فيما تتعامل وحدات معالجة الدم مع 30 متراً مكعباً في الساعة بكفاءة تصل إلى 96%، إلى جانب إعادة تدوير نحو 40% من المخلفات، في نموذج يعكس توجه السعودية نحو تعزيز الاستدامة وحفظ الموارد. 

Sat, 30 2026

جوهر المشروع ومستهدفاته

أما الجانب الإنساني فيمثل جوهر المشروع السعودي وسبب استمراره وتطوره، فبعد الانتهاء من الذبح، تبدأ رحلة اللحوم نحو المستحقين عبر شبكة تضم نحو 700 جمعية خيرية داخل المملكة، تتولى توزيعها على الأسر المحتاجة وفق برامج وآليات منظمة، كما تمتد عمليات التوزيع إلى أكثر من 25 دولة عربية وإسلامية، خصوصاً المناطق التي تعاني الفقر أو الأزمات الإنسانية والنزاعات المسلحة.

وفي إطار تسهيل أداء النسك، أطلق المشروع خدمة "أضاحي" بالشراكة بين البريد السعودي "سبل" والبنك الإسلامي للتنمية، لتتيح للحجاج تنفيذ الهدي والأضاحي والفدية والصدقات من خلال الوكالة الشرعية، حيث تتولى الجهات المختصة شراء الأنعام وذبحها وتوزيعها وفق الضوابط الشرعية والصحية المعتمدة.

مع مرور السنوات، تحول المشروع من حل تنظيمي لمعالجة تحديات الذبح في المشاعر المقدسة إلى تجربة عالمية تجمع بين الكفاءة التشغيلية والعمل الخيري والاستدامة البيئية، وأصبح نموذجاً فريداً لكيفية توظيف الإدارة الحديثة لخدمة الشعائر الإسلامية، وتحويل موسم الحج إلى منصة عطاء تتجاوز حدود المكان والزمان.

في كل موسم، تتكرر المشاهد ذاتها في منى، ملايين الحجاج يؤدون نسكهم، فيما تتحرك خلف الكواليس منظومة ضخمة تضمن أن تصل لحوم الهدي والأضاحي إلى موائد المحتاجين في أنحاء متعددة من العالم الإسلامي.

وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للمشروع، إذ لا تنتهي الأضحية عند لحظة الذبح، بل تبدأ منها رحلة جديدة من التكافل والرحمة، جعلت من مشروع المملكة للإفادة من الهدي والأضاحي إحدى أبرز قصص النجاح الإنسانية والتنظيمية المرتبطة بالحج المعاصر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية