الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 1 يونيو 2026 | 15 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

مستعمرة الفِراء الهولندية .. نيويورك المال والأعمال تعيش حالة قلق في حكم ممداني!

عبدالرحمن عابد
عبدالرحمن عابد من الرياض
الأحد 9 نوفمبر 2025 15:19 |4 دقائق قراءة
مستعمرة الفِراء الهولندية .. نيويورك المال والأعمال تعيش حالة قلق في حكم ممداني!زهران ممداني

قرب مصب نهر هدسون اختار مجموعة من التجار الهولنديين عام 1624 قطعة أرض كبيرة لبناء مستعمرة لهم أطلقوا عليها "نيو أمستردام"، وكان الغرض من ذلك الاستفادة من تجارة الفراء المنتشرة آنذاك في تلك المنطقة، بينما سكن المستعمرة الجديدة 270 شخصا أغلبهم من أصول هولندية وألمانية وفرنسية، وتمكنوا من التوسع وبناء حياة مستقرة، قبل أن يقرر الملك البريطاني تشارلز الثاني أن يستولي عليها في 1664، وتكريمًا لأخيه دوق يورك أطلق على المستعمرة اسم " نيويورك"، لتظهر على الخريطة الولاية التي ستلعب أدوار متعددة منذ تلك اللحظة، وأهمها الدور الاقتصادي، إذ بلغ ناتجها القومي 2.33 تريليون دولار عام 2024 أي ما يجعلها تحتل المرتبة الثامنة عالميًا من حيث الناتج المحلي لو كانت دولة مستقلة.

المفارقة أن الولاية التي أسست لغرض اقتصادي في الأصل تعيش اليوم ظروفا تهددها اقتصاديًا بعد فوز زهران ممداني في انتخابات عمدة المدينة، إذ بدأ عديد من الأثرياء في نيويورك بالاتصال بمستشاريهم الماليين بشكل مكثف خلال الساعات الأخيرة لحماية استثماراتهم ورواتبهم بحسب صحيفة "نيويورك بوست"، التي أوضحت أن  سياسات "ممداني" اليسارية وإيمانه بأفكار مثل تمويل الأغنياء لبرامج الرعاية الاجتماعية والمواد الغذائية والنقل المجاني وضريبة المليونيرات، وراء قلق كثيرين من رجال الأعمال والأثرياء الذين بدأوا يخططون للرحيل فعلًا.

تبلغ مساحة نيويورك 956 كيلومترا مربعا وتحتوي على أشهر الأحياء الأمريكية مثل مانهاتن وبروكلين وبرونكس وكوينز، بينما يبلغ عدد سكانها 19.9 مليون نسمة بحسب آخر إحصاء في عام 2024، ويغلب على منازلها الطابع الخشبي البسيط، ما جعلها وجهة مثالية للسائحين، إذ زارها العام الماضي 62 مليون سائح معظمهم جاء ليستمتع بالبيوت البسيطة والتقاط الصور بجوار تمثال الحرية الذي يعد أشهر معالم نيويورك جنبًا إلى جنب مع ناطحات السحاب العملاقة.

لعبت نيويورك كثيرا من الأدوار منذ لحظة تأسيسها وحتى الآن، فبعد  الاستقلال الأمريكي تم اختيارها لتكون أول عاصمة للولايات المتحدة الأمريكية (1789-1790) وفوق أرضها تم تنصيب جورج واشنطن، كأول رئيس للولايات المتحدة في قاعة فيدرال هول، كما شهدت أيضًا أولى جلسات الكونجرس الأمريكي والمحكمة العليا ولم تكتفي بذلك فعلى مدى تاريخها ولد فيها عدد من أشهر الرؤساء الأمريكيين بداية من فرانكلين روزفلت ووصولًا إلى الرئيس الحالي دونالد ترمب.

الأدوار الأخرى لعبتها نيويورك أيضًا بجدارة داخل التاريخ الأمريكي ، فهي عاصمة الفن من خلال مركز المسرح العالمي "برودواي" الذي يعد رمزًا للفن الأمريكي، كما أنها شهدت ميلاد حركات فنية وأدبية كـ"النهضة الهارلمية" في عشرينيات القرن الماضي، وكذلك تعد الولاية مهدا لصناعة الإعلام، فمنها خرجت صحف "نيويورك تايمز" و"سي إن إن" بما لهما من تأثير في تاريخ الصحافة والإعلام العالمي.

يبقى الدور الأهم لنيويورك هو دورها الاقتصادي، فرغم حلول "واشنطن" مكانها كعاصمة منذ عام 1800 لكن ظلت نيويورك صانعة القرار الحقيقي كونها عاصمة رأس المال في العالم، وذلك منذ اللحظة الأولى، ففي أحد شوارعها المعروف بـ"وول ستريت" تأسست بورصة نيويورك 1792 كما تأسست بورصة "ناسداك" ومن خلالهما تدار صفقات بمئات المليارات يوميًا، كما شهدت الولاية ولادة أكبر المصارف العالمية كـ"جي بي مورجان" و"سيتي جروب" و"جولدمان ساكس" "ومورجان ستانلي" وهذه تملك أصولا تتجاوز قيمتها الـ8 تريليون دولار بحسب آخر إحصاء لعام 2024.

ما يميّز ولاية نيويورك وحفظ لها مكانتها طوال نحو قرنين ونصف هو قدرتها على التأقلم مع مختلف أشكال الاقتصاد التي ظهرت عبر العصور، فإلى جانب كونها مقرّا لأهم البورصات وشركات التداول المالية تمكنت أيضًا من جذب الشركات العملاقة في مجال الأدوية مثل "فايزر وبي إم إس" ومجال المجوهرات الفاخرة كدار" تيفاني" والتقنية كـ"آي بي إم" وغيرها كثير حتى وصلت إلى احتضان مقار أكثر من 50 شركة من قائمة فورتشن الـ500.

الرواج الاقتصادي للولاية انعكس على السكان، إذ تعد نيويورك أغنى ولاية أمريكية من حيث الناتج المحلي البالغ أكثر من تريليوني دولار بحسب أرقام 2024، كما بلغ متوسط دخل للفرد الواحد 85 ألف دولار سنويًا وهو معدل أكبر من مواطني ولايات أخرى مثل واشنطن وكاليفورنيا، أما نسبة البطالة فقد وصلت إلى 4% في 2025 وتتركز معظم الوظائف في مجالات الأوراق المالية والبورصات والتكنولوجيا.

يسكن نيويورك أيضًا 384 ألف شخص لا تقل ثروتهم عن مليون دولار، كما يسكنها بعض أثرياء العالم مثل مايكل بلومبرغ البالغة ثروته 104 مليارات دولار، وسيتفن شانون المقدرة ثروته بـ45 مليار دولار، وغيرهم كثير، وهذا جعل البعض يطلق على الولاية "ملاذ المليونيرات" باعتبارها آمنة من حيث الاستثمار والقوانين التي تشجع رجال الأعمال على العمل دائمًا.

العوامل السابقة لم تجعل من نيويورك ولاية أمريكية مهمة فقط، بل ولاية عالمية لأن فيها تتحدد أسعار الأسهم والعملات وتعقد الصفقات العملاقة كما تحتوي على مقار المؤسسات المالية الكبرى، وهذا ضاعف من تأثير تولي زهران ممداني منصب عمدة المدينة، إذ بات الجميع قلقين على أهم مركز مالي عالمي تحت قيادة سياسي معروف باتجاهاته اليسارية،  وإذا كان البعض يترقب، فآخرون بدأوا في اتخاذ خطوات فعلية، كما قال أحد المستشارين الماليين في "مورجان ستانلي" في تصريحات لـ"نيويورك بوست" إن الناس قلقة، وكثير منهم يخطط للانتقال إلى فلوريدا أو كونيتكت.

ويبقى السؤال الآن: هل تتحول نيويورك من ملاذ آمن للمليونيرات إلى مدينة طاردة للأثرياء، أم ستصمد لتثبت أنها ولاية قوية وصامدة رغم الظروف عبر التاريخ؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية