لم تكن كابلات الإنترنت البحرية تتصدر اهتمام الرأي العام، حتى تصاعدت المخاوف بشأن احتمالات استهدافها ضمن التوترات الجيوسياسية الراهنة، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على الشرايين الخفية للاقتصاد العالمي، والتي تضطلع بنقل أكثر من 95% من تدفقات البيانات بين القارات بسرعة وأمان.
عكس الاعتقاد السائد بأن الأقمار الصناعية هي البطل الخفي وراء سرعة الاتصالات وثورة الذكاء الاصطناعي، فإن الحقيقة تكمن في أعماق المحيطات، حيث تمتد شبكة تضم 550 كابلا ـ نشيطا أو قيد الإنشاءـ في مختلف أنحاء العالم، وفقا لشركة تيليجيوغرافي "Telegeography"، أطولها كابل "SEA- ME-WE 3" (39 ألف كيلومتر) الذي يربط الأسواق الحيوية في جنوب شرق آسيا مع غرب أوروبا عبر البحر الأحمر.
في 2025 أطلقت شركة ميتا، بالتعاون مع تحالف دولي، مشروع "2 Africa" الذي صنف كأطول كابل بحري في العالم بمسافة تتعدى 45 كيلومترا، ويربط المشروع 33 دولة عبر 46 نقطة إنزال في 3 قارات، بسعة تصميمية تصل إلى 180 ترابيت في الثانية، تجعله متوفقا على إجمالي سعات الكابلات البحرية الحالية في إفريقيا، ما يمهد الطريق لنمو اقتصادي رقمي غير مسبوق.
تاريخيا، يعود أول مد بحري للاتصالات لعام 1850، الذي ربط حينها بين المملكة المتحدة وفرنسا لفترة قصيرة، لكنه شكل النواة الأولى للفكرة التي مهدت لربط جغرافيا العالم بشبكة بيانات لا تنام. لم تصمد الفكرة طويلا، لكنها نجحت في صياغة مفهوم القرية العالمية قبل أوانه بعقود.
شكل هذا الخط البدائي النواة الجوهرية لثورة نقل البيانات التي تجاوزت لاحقا حدود المضايق لتصل بين القارات، محولة المحيطات من عوائق طبيعية تفصل بين الشعوب إلى جسور رقمية فائقة السرعة، وهو المسار الذي نرى آثاره اليوم في تدفق المعلومات عبر الألياف البصرية العابرة للحدود.
حاليا، يقدر امتداد شبكة الكابلات البحرية بنحو 900 ألف ميل بحري (ما يعادل 1.4 مليون كيلومتر)، تكتسب ثقلا إستراتيجيا فائقا، فعبر مساراتها تتدفق تعاملات مالية ضخمة تقدر بنحو 10 تريليونات دولار يوميا.
تقدر القيمة السوقية لهذه الكابلات بنحو 25 مليار دولار، وسط توقعات بتحقيق معدل نمو سنوي مركب يراوح ما بين 10 و12%، ومن المرتقب أن تدفع هذه الوتيرة التصاعدية بحجم السوق ليبلغ ما بين 40 إلى 55 مليار دولار بحلول 2030.
إقامة كابل بحري يتطلب تكلفة تراوح ما بين 300 و600 مليون دولار، تبعا للامتداد الجغرافي وحجم سعة البيانات (الألياف الضوئية المستخدمة).
ويتم تنفيذ هذه المشاريع بواسطة أساطيل بحرية متطورة تضع الكابلات في مسارات مدروسة بعناية، لتفادي الكوارث الطبيعية، سعيا لتقليص احتمالات الانقطاع. وإن كانت الأرقام تشير إلى أن 70% من الأعطاب كانت نتيجة فعل بشري.
تصاعدت في الآونة الأخيرة المخاوف من استهداف شرايين العالم الخفية عبر هجمات متعمدة، ففي عام 2024، أثار تضرر كابلات بحرية في بحري البلطيق والأحمر، في ظروف غامضة، تساؤلات ملحة حول أمن البنية التحية البحرية في ظل التوترات الراهنة.
تثار مجددا فكرة الأقمار الاصطناعية بديلا آمنا عن الكابلات البحرية لضمان تدفق الإنترنت إلى العالم، لكنها تظل صعبة التحقق لارتفاع تكلفة الأقمار الصناعية (التصنيع والصيانة والإطلاق).
وبافتراض تجاوز عقبة التكلفة المادية بفضل الطفرة التكنولوجية التي يشدها هذا القطاع، فإن نشر أعداد ضخمة من الأقمار في مدار الأرض سيفضي حتما إلى حالة من الازدحام المداري، وهو ما قد يتسبب في تداخل البيانات، ويرفع فمن احتمالات التصادم المتبادل.
كما أن خروج أي قمر عن مساره يعني انقطاع الخدمة، بانتظار إحلال قمر بديل في المدار ذاته.



