في أعالي الأبراج وتحت سماء المدن السعودية، تبدو الرافعات البرجية وكأنها سوق كبيرة معلّقة في السماء، تتحرك فيها حمولات الحديد والأخشاب ومواد البناء من الأرض إلى الطوابق العليا، في مشهد يومي تختلط فيه الحركة بالدقة وتُدار فيه أطنان من المواد على ارتفاعات شاهقة.
هذه المعدات، المعروفة باسم «التور كرين»، باتت عنصرا أساسيا في تشييد المباني المرتفعة، لكنها تمثل أيضا سوقا لها تكاليفها واستثماراتها الخاصة، إذ تبدأ أسعار بعض الرافعات الجديدة من 400 ألف ريال، فيما ينطلق إيجارها من 20 ألف ريال شهريًا، قبل احتساب تكاليف النقل والتركيب والفك والصيانة، بحسب المهندس أسامة الرفاعي من شركة «باتكو للمقاولات».
هذه المعدات تُستخدم على نطاق واسع في مواقع الإنشاءات لرفع الحديد والأخشاب ومواد البناء والمعدات إلى الأدوار العليا، مع اختلاف أسعارها وتكاليف تشغيلها وفقًا للعلامة التجارية والارتفاع والحمولة وطول الذراع.
واردات الرافعات .. الصين وكوريا في المقدمة
على صعيد التجارة الخارجية، أظهرت بيانات هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، التي ذكرتها لـ«الاقتصادية»، أن واردات السعودية من الرافعات البرجية بلغت 84,664 رافعة خلال 2024، مقابل 9,641 رافعة في 2025.
تصدرت كوريا الجنوبية والصين وفرنسا وألمانيا وفنلندا قائمة أبرز الدول التي استوردت منها السعودية الرافعات البرجية خلال 2024، فيما شملت قائمة الدول الموردة خلال 2025 الصين وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وألمانيا وماليزيا.
تظهر الأرقام تراجعا كبيرا في الكميات المسجلة بين العامين، إلا أن تفسير هذا التغير يتطلب التحقق من طبيعة البيانات وتصنيف الواردات ومدى شمولها، إلى جانب التمييز بين عدد الرافعات المستوردة وقيمتها، إذ لا تكفي الأرقام وحدها لتحديد أسباب التراجع أو قياس حجم الطلب الفعلي في السوق.
تركيب يبدأ من الأرض .. وارتفاع يتزايد مع البناء
لا يقتصر عمل الرافعة البرجية على رفع مواد البناء إلى الطوابق العليا، بل يبدأ دورها من مرحلة تجهيز الموقع وتركيب هيكلها، الذي يُبنى تدريجيا وفق الارتفاع المطلوب وطبيعة المشروع.
أوضح الرفاعي أن عملية التركيب الأولية تبدأ باستخدام رافعة متنقلة لرفع أجزاء البرج وتجميعها تباعا، حتى تصل الرافعة البرجية إلى ما يُعرف بـ«الارتفاع الحر»، وهو الارتفاع الذي يمكن أن تعمل عنده من دون الحاجة إلى تثبيتها بالمبنى وفق نظام الربط المخصص للمشروع.
مع تقدم أعمال البناء وارتفاع المبنى، تُربط الرافعة بالمنشأة وفق متطلبات الشركة المصنعة والتصميم الهندسي، بما يضمن استقرارها خلال التشغيل.
وبعد ذلك، يمكن زيادة ارتفاعها تدريجيًا باستخدام نظام التسلق الهيدروليكي، الذي يتيح رفع الجزء العلوي من الرافعة وإدخال أجزاء إضافية إلى هيكل البرج.
تتم هذه العملية على مراحل متتابعة؛ إذ يُرفع الجزء العلوي باستخدام النظام الهيدروليكي، ثم تُدخل أجزاء جديدة من البرج وتُثبّت في الهيكل، لتواصل الرافعة ارتفاعها بالتزامن مع تقدم أعمال الإنشاء.
ساعة لإضافة جزء جديد.. وأيام للتركيب الأولي
تختلف مدة تركيب الرافعة وزيادة ارتفاعها بحسب الطراز وظروف الموقع وتجهيزاته. ووفقًا للرفاعي، يبلغ طول الجزء المضاف في بعض الرافعات نحو 3 أمتار، وتستغرق إضافته ما بين 40 دقيقة وساعة تقريبا، فيما قد يستغرق التركيب الأولي للرافعة في بعض المشاريع من 3 إلى 4 أيام.
تكتسب هذه العمليات أهمية خاصة في المشاريع المرتفعة، إذ يتطلب تمديد البرج والتأكد من تثبيت أجزائه الالتزام بإجراءات فنية دقيقة، مع مراعاة متطلبات السلامة واستقرار الرافعة في شتى مراحل التشغيل.
كما يرتبط اختيار الرافعة بارتفاع المبنى، ومدى وصول ذراعها إلى مناطق العمل، والحمولات المطلوب نقلها، إلى جانب طبيعة الموقع والمساحات المتاحة لتركيب المعدات وتشغيلها.
حمولة تتجاوز 20 طنا بحسب الطراز
تتفاوت قدرات الرفع بين الرافعات البرجية المستخدمة في مشاريع البناء، إذ تبدأ حمولات بعض المعدات من عدة أطنان، فيما تتجاوز في طرازات أخرى 20 طنًا، بحسب التصميم الفني للرافعة وموقع الحمولة على الذراع.
لا ترتبط قدرة الرفع بالوزن وحده، بل تتأثر أيضا بنصف قطر العمل، أي المسافة بين محور دوران الرافعة وموقع الحمولة.
وتختلف الحمولة المسموح بها باختلاف هذه المسافة ومواصفات المعدات، ما يجعل الالتزام بجداول الأحمال المحددة من الشركة المصنعة عنصرًا أساسيًا في التشغيل الآمن.
تؤدي الرافعة البرجية دورا محوريا في نقل المواد الثقيلة إلى المواقع التي يصعب الوصول إليها بالمعدات التقليدية، خصوصًا في المباني متعددة الطوابق، حيث تسهم في تنظيم حركة مواد البناء وتقليل الاعتماد على وسائل الرفع الأرضية.
مشغل في الأعلى .. وتوجيه من الأرض
تُدار الرافعة البرجية عادة من كابينة المشغل أعلى البرج، فيما يتولى مرشد أرضي التواصل معه لاسلكيا لتوجيه حركة الحمولة ومساعدته على تحديد موقعها، خصوصا في المناطق التي تحجب المباني أو أجزاء المنشأة الرؤية المباشرة عنها.
أشار الرفاعي إلى أن المشغل قد يضطر، في المراحل الأولى من المشروع، إلى صعود نحو 40 إلى 50 مترا عبر سلم داخل البرج للوصول إلى الكابينة، مع التوقف للراحة أثناء الصعود.
ومع تقدم أعمال البناء، يصبح الوصول أسهل في بعض المشاريع من خلال استخدام المصاعد المتاحة داخل المبنى للوصول إلى مستويات قريبة من الكابينة.
تتطلب هذه المهمة تركيزا عاليا وتنسيقا مستمرا بين المشغل والمرشد الأرضي، نظرًا إلى أن تحريك الأحمال الثقيلة في مواقع الإنشاءات يستلزم مراعاة مسار الحمولة، والمسافات المحيطة، وظروف التشغيل، مع تجنب تعريض العاملين أو المعدات للمخاطر.
شاشات وأنظمة مراقبة لرفع أكثر دقة
شهدت أنظمة تشغيل الرافعات البرجية تطورا تقنيا ظهر على وسائل مراقبة الأحمال والتحكم في الحركة.
تحتوي الرافعات الحديثة على شاشات تعرض بيانات تشغيلية، من بينها وزن الحمولة ونطاق التشغيل وحالة الرافعة، فيما توفر بعض الطرازات معلومات إضافية عن سرعة الرياح ونصف قطر العمل وزاوية الدوران.
تساعد هذه الأنظمة المشغل على متابعة ظروف التشغيل ومقارنتها بالحدود المسموح بها، خصوصا في عمليات الرفع التي تتطلب تحريك المواد لمسافات طويلة أو العمل على ارتفاعات كبيرة.
تظل كفاءة أنظمة المراقبة مرتبطة بالتزام المشغل بإجراءات التشغيل المعتمدة، إلى جانب الفحص المنتظم للمعدات والتأكد من سلامة مكوناتها وأنظمة الحماية فيها.
التدريب والترخيص .. متطلبات لتشغيل المعدات
يتطلب تشغيل المعدات الثقيلة التأهيل والتدريب واجتياز المتطلبات المعتمدة للحصول على رخصة التشغيل، وتتيح الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة إصدار وتجديد رخصة مشغل المعدات الثقيلة بعد استيفاء متطلبات التدريب والاختبارات اللازمة.
تبرز أهمية التدريب في طبيعة المهام التي تنفذها الرافعات البرجية، إذ تتداخل فيها معرفة حدود الحمولة، وقراءة مؤشرات التشغيل، والتعامل مع ظروف الموقع، والتنسيق بين المشغّل والمرشد الأرضي.
كما تمثل إجراءات السلامة جزءا أساسيا من منظومة التشغيل، بدءا من فحص المعدات قبل الاستخدام، مرورا بمراقبة الأحمال والظروف الجوية، وصولًا إلى الالتزام بالتعليمات الفنية الخاصة بالتركيب والتسلق والتثبيت.
صيانة دورية وتكاليف تمتد طوال عمر المشروع
لا تنتهي تكاليف الرافعة البرجية عند شرائها أو استئجارها، إذ تتطلب استمرار أعمال الفحص والصيانة ومتابعة نقاط التثبيت والأجزاء الميكانيكية وأنظمة التشغيل.
قال الرفاعي إن الرافعات تخضع لصيانة دورية شهرية وفحص لمكوناتها ونقاط تثبيتها، إضافة إلى إجراء صيانة شاملة عقب انتهاء المشروع وقبل نقلها إلى موقع جديد.
تتفاوت الأعباء التشغيلية بحسب نوع الرافعة ومدة استخدامها وارتفاعها وطبيعة المشروع، فضلا عن تكاليف النقل والتركيب والفك والصيانة.
ولذلك، لا تبين قيمة الشراء أو الإيجار وحدها التكلفة الإجمالية للاستفادة من المعدة، بل ينبغي احتساب متطلبات تجهيز الموقع والتشغيل والصيانة طوال فترة المشروع.
مع استمرار الاعتماد على الرافعات البرجية في أعمال البناء المرتفع، تبقى هذه المعدات عنصرا رئيسيا في تنفيذ المشاريع، تجمع بين القدرة على نقل الأحمال الثقيلة إلى ارتفاعات كبيرة، والحاجة إلى استثمارات وتجهيزات فنية وتشغيلية متخصصة تضمن كفاءة الأداء وسلامة العمل.