الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية


لفترة طويلة، كان سهم مجموعة الدكتور سليمان الحبيب أحد أبرز أسهم النمو الدفاعي في السوق السعودية. شركة تعمل في قطاع صحي، تنمو بسرعة، تحقق أرباحا متزايدة، وتحافظ على هوامش تشغيلية مرتفعة مقارنة بالقطاع، لكن الصورة بدأت تتغير منذ 2024.

فالسهم الذي كان يتداول فوق 330 ريالا، تراجع تدريجيا إلى أدنى مستوياته منذ ديسمبر 2022 أخيرا ليصل إلى 211.50 ريال فاقدا نحو ثلث قيمته، رغم أن الشركة لم تعلن خسائر، ولم يتوقف نمو أرباحها. ما تبرز المفارقة، السهم يهبط إلى أدنى مستوياته في سنوات، بينما الشركة لا تزال تنمو وتحقق أرباحا أعلى.

الإجابة لا تكمن في الأرباح الحالية فقط، بل فيما يسعره السوق للمستقبل. فالمستثمر لا ينظر إلى نمو الإيرادات والأرباح وحده، بل ينظر أيضا إلى تكلفة هذا النمو، ومصادر تمويله، والمدة التي يحتاجها حتى يتحول إلى تدفقات نقدية أقوى.

Wed, 20 2026

من نمو مريح إلى توسع ثقيل

قبل 2024، كانت الحبيب تتوسع بوتيرة موزعة على سنوات، وأكثر قابلية للاستيعاب ماليا وتشغيليا. لكن في 2024 دخلت الشركة مرحلة توسع أثقل، مع افتتاح 6 منشآت طبية خلال عام واحد، من بينها مستشفى الصحافة في الرياض والفيحاء في جدة ومستشفى صحة المرأة، بالتزامن مع مشاريع أخرى قيد التنفيذ أو قريبة من التشغيل. ثم جاء 2025 ليؤكد انتقال الشركة من التخطيط والبناء إلى التشغيل الفعلي، مع استمرار موجة مشاريع تمتد إلى 2027 و2029.

هذا التوسع لم يأتِ من التدفقات التشغيلية وحدها، بل صاحبه ارتفاع واضح في الاعتماد على التمويل. فقد ارتفعت القروض، بعد استبعاد التزامات التأجير، من نحو 4.9 مليار ريال في 2023 إلى نحو 9 مليارات ريال بنهاية الربع الأول 2026. كما ارتفعت نسبة صافي الدين إلى حقوق الملكية من نحو 34% في 2023 إلى نحو 80% بنهاية الربع الأول 2026، بما يعكس أن التوسع أصبح أكثر اعتمادا على الدين والسيولة المتاحة، لا على النمو العضوي وحده.

وهذا التوسع لا يشبه افتتاح فرع تجاري يبدأ البيع بعد أيام. فالمستشفى أصل تشغيلي معقد، يحتاج إلى إنفاق كبير قبل الافتتاح، ثم إلى فترة امتصاص بعده لبناء قاعدة المراجعين، ورفع الإشغال، واستقطاب الأطباء، وتفعيل عقود التأمين، وتشغيل الأقسام بكفاءة.

وخلال هذه المرحلة، تبدأ التكاليف الثابتة منذ اليوم الأول، بينما ترتفع الإيرادات تدريجيا لا دفعة واحدة. لذلك قد تضغط المنشآت الجديدة على الهوامش في البداية، حتى إن كانت مجدية على المدى الطويل. وبذلك تدفع الشركة تكلفة النمو مبكرا، بينما تأتي عوائده على مراحل، رهن سرعة تحول كل مستشفى من عبء رأسمالي وتشغيلي إلى مساهم فعلي في الربحية والتدفقات النقدية.

الحبيب-02

ضغط النمو يظهر في النقد والتقييم

لم يظهر الضغط في إيرادات الحبيب بقدر ما ظهر في التدفقات النقدية وحجم الإنفاق الرأسمالي. فبينما ارتفعت إيرادات الشركة من نحو 9.5 مليار ريال في 2023 إلى 13.7 مليار ريال في 2025، صعد الإنفاق الرأسمالي إلى مستويات كبيرة، وبلغ نحو 3.8 مليار ريال في 2024 قبل أن يتراجع إلى نحو 3 مليارات في نهاية العام الماضي.

هنا بدأ السوق يغيّر نظرته. لم تعد الشركة بالنسبة إلى المستثمرين مجرد شركة تحقق نموا مرتفعا بتكلفة محدودة، بل شركة دخلت دورة توسع رأسمالي ثقيلة، تحتاج تمويلا أكبر ووقتا أطول حتى تظهر كامل نتائجها في الأرباح والتدفقات النقدية.

وزاد بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة محليا وعالميا من حساسية هذا التحول. فارتفاع الفائدة يجعل القروض أكثر تكلفة، ويرفع عبء تمويل المشاريع الجديدة، كما يخفض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية في نماذج التقييم. وبعبارة أبسط، يصبح السوق أقل استعدادا لدفع تقييمات مرتفعة اليوم مقابل أرباح يتوقع تحققها بعد سنوات.

لذلك، فإن الضغط على السهم لا يعكس تراجعا في النمو التشغيلي، بل إعادة تسعير لتكلفة هذا النمو، في مرحلة توسع تحتاج نقدا أكبر وصبرا أطول قبل أن تنعكس بالكامل على الربحية والتدفقات.

Sun, 03 2026

إعادة تسعير لا أزمة تشغيلية

لا تشير البيانات إلى أزمة تشغيلية في الحبيب. فالشركة لا تزال تحقق نموا في الإيرادات والأرباح، وربحيتها التشغيلية لا تزال قوية، كما أن مستويات الدين لا تبدو مقلقة بذاتها لشركة بحجمها وطبيعة نشاطها.

واللافت أن السهم، رغم تراجعه، لا يزال يتداول عند مكررات مرتفعة، إذ يبلغ مكرر الربحية نحو 32 مرة، مقابل متوسط يقارب 21 مرة لقطاع الرعاية الصحية بعد استبعاد الحبيب، ونحو 16.5 مرة للسوق.

هذه الأرقام تعني أن السوق لم يفقد ثقته بنمو الشركة، وإلا لما بقي السهم عند هذه المستويات من التقييم. لكن ما تغيّر هو استعداد المستثمرين لدفع علاوة كبيرة مقابل النمو نفسه، بعدما أصبحت تكلفته أعلى وأكثر تعقيدا.

لذلك، لا تبدو المشكلة في قدرة الشركة على النمو، بل في تكلفة هذا النمو: الإنفاق الرأسمالي المرتفع، زيادة الديون، تكلفة التمويل، والوقت اللازم حتى تصل المستشفيات الجديدة إلى مستويات إشغال وربحية مستقرة.

ما يحدث أقرب لأن يكون تراجع السهم لإعادة تسعير قصة النمو، لا إلى تدهور في أداء الشركة التشغيلي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية