لا تبدو صورة الأسهم السعودية في الأسبوع المقبل محسومة باتجاه واضح، بعدما أصبح "تاسي" أكثر حساسية لتحركات العوائد طويلة الأجل في ظل ضيق الفارق بين عائد السوق وعوائد السندات، بالتزامن مع تقلبات حادة في النفط واقتراب بيانات اقتصادية أمريكية قد تعيد تسعير توقعات الفائدة.
هذه التركيبة تجعل السوق أمام أسبوع قد تكون فيه التقلبات أوضح من الاتجاه. فالمؤشر يدخل التداولات عند 10599 نقطة بعد تراجع 1.7% خلال الأسبوع الماضي، لكن العامل الحاسم لم يعد مستوى الأسعار وحده، وإنما ما يحدث خارج السوق نفسها، وتحديدا في سوق السندات.
فالهبوط الأخير خفض مكرر الربحية المتوقع ورفع عائد الأرباح، لكنه لم يفتح فجوة كبيرة لمصلحة الأسهم، لأن عوائد الصكوك طويلة الأجل ارتفعت في الوقت نفسه.
ومع تقلص الفارق بين العائد الذي توفره الأرباح والعائد المتاح على أدوات أقل مخاطرة، تصبح تقييمات الأسهم أكثر تأثرا بأي تغير، ولو محدودا، في أسعار السندات.
وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في بداية الأسبوع الجديد كل ارتفاع إضافي في العوائد قد يدفع المستثمرين إلى طلب عائد أعلى من الأسهم، بينما أي تراجع في العوائد يمكن أن يخفف سريعا من ضغط التقييم، في حال ثبات توقعات الأرباح المستقبلية.
النفط يدخل معادلة السندات
المشكلة أن العوائد نفسها لا تتحرك حاليا في مسار مستقر. فأسعار النفط، التي شهدت تقلبات حادة خلال الفترة الأخيرة، أصبحت أحد المتغيرات المهمة في قراءة أسواق السندات، نظرا إلى أثرها المحتمل في التضخم وتوقعات السياسة النقدية.
ارتفاع النفط يعيد إلى الواجهة مخاطر بقاء التضخم أعلى لفترة أطول، ما قد يدعم العوائد طويلة الأجل، بينما يمكن لتراجعه أن يخفف جانبا من هذه المخاوف ويمنح السندات مساحة للتحسن.
بالنسبة إلى السوق السعودية، فإن العلاقة أكثر تعقيدا من مجرد القول إن ارتفاع النفط إيجابي للأسهم وانخفاضه سلبي.
فالنفط الأعلى قد يقدم دعما لبعض الشركات والقطاعات وللتوقعات الاقتصادية، لكنه إذا جاء مصحوبا بارتفاع العوائد الدخل الثابت فقد يضغط في المقابل على تقييمات السوق.
والعكس صحيح، فتراجع النفط قد يضغط على المعنويات، لكنه إذا أدى إلى انخفاض العوائد فقد يحسن معدل الخصم المستخدم في تقييم الأسهم.
أي أن ارتفاع النفط قد يصبح عامل ضغط على "تاسي"
بيانات أمريكية قد تغير تسعير الفائدة
المتغير الثاني يأتي من الولايات المتحدة، حيث تنتظر الأسواق مجموعة من البيانات الاقتصادية، وفي مقدمتها بيانات نفقات المستهلكين "PCE"، لما تحمله من إشارات إلى مسار التضخم والطلب.
أهمية هذه البيانات لا تقتصر على الاقتصاد الأمريكي. فأي مفاجأة تغير توقعات المستثمرين حيال مسار السياسة النقدية يمكن أن تنتقل سريعا إلى عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ومنها إلى منحنيات العائد في الأسواق المرتبطة بالدولار، ومنها السوق السعودية.
إذا جاءت قراءات التضخم أو الإنفاق أقوى من المتوقع، فقد يعيد المستثمرون تسعير احتمالات بقاء السياسة النقدية أكثر تشددا، ما قد يدفع العوائد إلى أعلى ويزيد الضغط على تقييمات الأسهم.
أما البيانات الأضعف فقد تمنح السندات فرصة لاستعادة جزء من خسائرها وتخفض معدل الخصم، وهو سيناريو يوفر دعما للأسهم حتى من دون تغير جوهري في توقعات أرباح الشركات.
بذلك يصبح "تاسي" خلال الأسبوع المقبل معرضا ليس فقط لنتيجة البيانات، بل أيضا لكيفية تفسير سوق السندات لها.
السوق أكثر حساسية من المعتاد
هذه الحساسية المرتفعة تعود إلى أن هامش العائد المتاح للمستثمر في الأسهم لم يعد واسعا. فعند المستويات الحالية، يدور عائد الأرباح المتوقع للسوق قرب 7.1%، بينما ارتفع عائد الصكوك السعودية لعشر سنوات إلى نحو 5.83% في نهاية الأسبوع الماضي. أي أن الفارق لا يتجاوز نحو 1.3 نقطة مئوية.
ولا يعني ذلك أن المستثمر يقارن مباشرة بين الرقمين وكأنهما أصلان متماثلان، فالأسهم تحمل إمكانية نمو الأرباح والتوزيعات، لكنها في المقابل تحمل مخاطر أكبر.
لكن ضيق الفارق يجعل أي ارتفاع إضافي في العائد الخالي من المخاطر أكثر تأثيرا في السعر الذي يقبل المستثمر دفعه مقابل تلك الأرباح.
ولهذا، فإن السوق عند المستويات الحالية قد تبدو أرخص مقارنة بالأسابيع الماضية، لكنها لا تزال تفتقر إلى هامش واسع يمتص تحركات كبيرة في العوائد.
السايبور يضيف طبقة أخرى من الضغط
وفي الخلفية، يبقى سايبور 3 أشهر متغيرا إضافيا يجب مراقبته، بعدما ارتفع خلال الأسبوع الماضي من نحو 5.03% إلى 5.22% الاعلى في نحو عام.
فالضغط من العوائد طويلة الأجل يمر عبر تقييم الأسهم، بينما ينتقل ارتفاع السايبور بصورة أكثر مباشرة إلى تكلفة تمويل الشركات، خصوصا تلك الأكثر اعتمادا على الدين المتغير أو إعادة التمويل.
واجتماع الاثنين هو ما جعل حركة السوق الأخيرة مختلفة المستثمر يدفع سعرا أقل للسهم بسبب ارتفاع معدل الخصم، وفي الوقت نفسه قد تواجه بعض الشركات تكلفة تمويل أعلى.
في الوقت الحالي، لا تزال توقعات الأرباح أكثر تماسكا من حركة الأسعار، ولذلك لم يتحول المشهد إلى قصة تراجع في الربحية. لكن استمرار ارتفاع تكلفة التمويل لفترة أطول قد يشكل عامل ضغط على الربحية في ظل ارتفاع الدين على حقوق الملاك إلى 75% في "تاسي".



