فاحت رائحة البارود الأسود شمال نهر ريوغراندي بعد هجوم الجنرال المكسيكي أناستاسيو تورخون على الكابتن سيث ثورنتون ورفقته الجنرال زكاي تايلور قائد الجيش الأمريكي الذي أصبح لاحقا رئيسا للولايات المتحدة.
وتعود أحداث الحرب بين البلدين في عام 1846 بعد رفض المكسيك التنازل عن ولاية تكساس آنذاك كان التجار والمضاربون في البورصات المحلية يتابعون الأسهم التي تعرضت لتقلبات قوية أدت لخسائر وصلت نسبتها إلى 20%، بيد أن واشنطن لم تغرق في الذعر، إذ استطاعت أن تمتص الصدمات الأولى وخرجت من الأزمة أقوى.
في اليوم التالي لانتهاء الحرب 1848 ارتفعت نسبة الأسهم 30% واستمرت على ذلك. كما وفّر ضم تكساس مخزونا من الذهب قدرت قيمته بملايين الدولارات آنذاك ما وصفه المؤرخ الأمريكي جون واتس بـ"تأثير البارود" الاقتصادي، معتبرًا الحرب منحة لأمريكا التي انطلقت بعدها أكثر قوة.
اليوم تعيش دول الخليج العربي وما حولها في المنطقة واقعا مشابها في رمضان مع فوحان رائحة القهوة يتصاعد طنين المسيرات الإيرانية في السماء. فمنذ بدء الاشتباكات في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تعرضت الاقتصادات الخليجية إلى تقلبات حادة أدت إلى تراجع أسواق الأسهم.
وبينما علقت البورصة الكويتية تداولها بالكامل بعد 24 ساعة من الحرب هبط مؤشر تاسي السعودي بنحو 4.6% كما خسرت بورصة مسقط 3% من حجم تداولها وكذلك قطر والبحرين في المدة ذاتها.
مصادر القوة الخليجية لم تساعدها على امتصاص تلك الصدمات فقط بل دفعتها إلى تحقيق مكاسب منذ اللحظة الأولى فبسبب التوترات الإقليمية ارتفعت أسعار النفط بنسبة 12.3% بعد 48 ساعة من بدء الحرب وسجل خام برنت 81 دولارا بعد أن كان يتم تداوله 71 دولارا للبرميل قبل بدء الاشتباكات بحسب بيانات "أوبك" الرسمية حتى 3 مارس الجاري، أما الغاز الخليجي فارتفع سعره أيضًا بنسبة 25% ليسجل 16 دولارا لكل مليون وحدة حرارية.
تعزز التحليلات الدولية أن ما حدث خلال الساعات الماضية ليس إلا بداية وأن المكاسب الخليجية لن تكون مؤقتة، فوكالة بلومبرغ تؤكد أنه في حالة استمرار التوتر لأشهر قليلة سيصل سعر برميل النفط من خام برنت إلى نحو 100 دولار، ما يعد قفزة تاريخية للذهب الأسود ستنعكس آثارها على اقتصاد الدول الخليجية خاصة السعودية والإمارات باعتبارهما دولا تملك منافذ أخرى بعد توقف العمل في مضيق هرمز، فالمملكة لديها ميناء ينبع و"بترولاين" لعبور الشحنات النفطية إلى مختلف أنحاء العالم، وكذلك الإمارات تملك خط (حبشان- الفجيرة) الذي يساعدها على تمرير نفطها.
المكاسب لن تقتصر على النفط والغاز، فحسب تقرير "مونت كارلو" ستنعكس الفوائض المالية الناتجة عن الحرب على قطاعات أخرى إذ اعتادت الدول الخليجية خلال السنوات الأخيرة أن توجه جزءا من عوائدها إلى الصناديق السيادية وهو ما يعزز مكانة تلك الصناديق عالميًا، كذلك ستتمكن من تمويل أكبر لمشروعاتها الكبرى وتنويع محافظها الاستثمارية ما يجذب مستثمرين أكثر.
وسيكون للسعودية النصيب الأكبر كونها الأكثر امتلاكًا لاحتياطات نفط بتقديرات تصل إلى 270 مليار برميل ما يجعلها مؤهلة لسد أي عجز ينتج عن نقص الإنتاج في الدول الأخرى كإيران، كما سيحظى صندوق الاستثمارات العامة بنصيب وافر من الأرباح ليكون صمام الأمان.
تاريخيًا ما يحدث اليوم ليس إلا سيناريو مكرر عاشته دول الخليج لأول مرة عام 1980 حين نشبت الحرب العراقية الإيرانية وأحدثت هزة عنيفة بارتفاع سعر برميل النفط من 15 دولارا قبل الحرب إلى 36 دولارا في ذروتها قبل أن يستقر عند 17 دولارا بعدها طبقًا لإدارة الطاقة الأمريكية.
ووقتها لعبت السعودية الدور الأبرز في تجنيب دول الخليج أي خسائر عبر زيادة الإنتاج لتعويض نقص الإمدادات النفطية ما عزز مكانة المملكة عالميًا ورفع حصتها في "أوبك" من 25% إلى 30%.
الباحث أنطوني كوردسمان أوضح في دراسته الصادرة عن معهد بروكيلجز الأمريكي أن الدول الخليجية بقيادة السعودية استطاعت أن تخرج من الحرب العراقية الإيرانية بقاعدة اقتصادية قوية مكنتها من الانطلاق.
وتجسد ذلك في عدة خطوات خلال سنوات الثمانينيات أبرزها تسارع ربط العملات الخليجية بالدولار ما ساهم في جذب المستثمرين الذين احتاجوا لضمانات أن أرباحهم لن تتبخر بسبب انهيار العملات المحلية، كذلك الاستفادة من طفرة أسعار النفط في تشييد بنية تحتية ضخمة مثل مناطق الجبيل وينبع اللذين حولا النفط والغاز إلى صناعة بتروكيماويات، بينما اتجهت الإمارات إلى تطوير الموانئ والكويت إلى الاستثمار في العقارات الأوروبية.
وهكذا تمكنت دول الخليج من ضخ دماء جديدة في المؤشرات الرئيسية للاقتصاد والممثلة في "جذب المستثمرين- النفط- الطاقة- البورصة- قوة العملة المحلية- إضفاء قيمة مضافة على الموارد الطبيعية".
ترسخت قاعدة"الخليج يربح دائمًا" أكثر بعد حرب الكويت 1990 فإضافة إلى تكرار نفس السيناريوهات السابقة استغلت الدول الخليجية الأحداث لتخرج بنموذج اقتصادي أكثر صلابة تلك المرة من خلال التنوع كما أوضح صندوق النقد الدولي الذي تناول المملكة كمثال حين أحدثت بعد الحرب طفرة تنظيمية في أنظمة الرقابة المصرفية وتطوير بورصة "تداول"، كما ركزت على إيجاد "مصدات مالية" ضخمة لتنويع الاستثمارات العالمية.
بينما كان التأثير الواضح في قطاع الخدمات اللوجستية والبنية التحتية التي أثبتت فعاليتها بعد أن مكنت المملكة من رفع إنتاجها من 5.6 مليون إلى 8.7 برميل يوميًا أثناء الصراع لسد العجز العالمي في النفط ما عزز مكانتها كقوة طاقة عالمية لا غنى عنها.
يقول المفكر المصري جمال حمدان الذي يعتبر من أهم المفكرين العرب في القرن العشرين في مجال الجغرافيا السياسية وتحليل شخصية الدول، "إن الجغرافيا قد تكون نقمة لكنها تتحول إلى فرصة ذهبية حين يتم استغلالها جيدًا، وهذا ما فعلته السعودية ودول الخليج عبر عقود وساهم في خروجهم أكثر صلابة بعد كل حرب، إذ وظفت المملكة مواردها الطبيعية في بناء اقتصاد لا يتأثر بالأزمات وملكت البدائل وقت إغلاق الممرات وشرايين التجارة، وفي سنوات الرخاء عززت ذلك بصناديق سيادية ومدن صناعية ورؤية تنموية".
لذلك ما حدث منذ 1980 ليس استثناء ويتكرر اليوم لدرجة دفعت مؤسسات كبرى إلى الحديث عن مستقبل الخليج ومكاسبه من الحرب الأمريكية الإيرانية وعن ميزان اقتصادي جديد يتشكل تلك المرة على إيقاع هدير الطائرات وأسعار البرميل وحجم الفوائض وقوة القرار المالي في الرياض.