لم يعد التحدي الأكبر أمام جيل زد يقتصر على العثور على وظيفة، بل أصبح يتمثل في إقناعهم بأن العمل الجاد والادخار كفيلان بتحقيق الاستقرار المالي.
بعد سنوات من ارتفاع أسعار المساكن وتكاليف المعيشة، وتراجع فرص التوظيف للمبتدئين، بدأ كثير من الشباب ينظرون إلى قواعد النجاح الاقتصادي التقليدية باعتبارها لم تعد تضمن النتائج التي حققتها للأجيال السابقة.
تكوّنت هذه النظرة منذ وقت مبكر، فقد عاش أكبر أبناء جيل زد طفولتهم خلال الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2010، عندما فقد ملايين الأمريكيين منازلهم بسبب أزمة الرهن العقاري.
بالنسبة إلى كثير منهم، لم تكن الأزمة مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل تجربة عائلية مباشرة شاهدوا خلالها انتقال أسرهم من منزل إلى آخر، أو فقدان الاستقرار المالي الذي كان يُنظر إليه باعتباره ركيزة الطبقة المتوسطة الأمريكية.
وترسخت لديهم قناعة بأن الاجتهاد وحده لا يكفي إذا كان النظام الاقتصادي نفسه عرضة للاهتزاز.
ومع دخولهم سوق العمل، لم تبدُ الظروف أكثر تشجيعًا. فقد ارتفعت أسعار المنازل المخصصة للمشترين لأول مرة بنحو 87% منذ 2019، بينما ارتفع متوسط أسعار السيارات الجديدة إلى نحو 49 ألف دولار، بزيادة تقارب 27% مقارنة بعام 2020.
في الوقت نفسه، أظهرت بيانات التوظيف تراجع فرص العمل للمبتدئين بأكثر من 50% خلال الفترة بين 2019 و2024، في حين استعادت الوظائف المتوسطة والقيادية زخمها بوتيرة أسرع، بحسب مجلة فورتشن.
هذا الواقع انعكس بوضوح على نظرة الشباب إلى مستقبلهم المالي. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن أكثر من 70% من أبناء زد يعتبرون أن الإنفاق لتغطية الاحتياجات الأساسية أصبح هو القاعدة في حياتهم، بينما يرى 57% أن جيلهم بدأ حياته الاقتصادية وهو مهيأ للفشل المالي، ولا يعتقد سوى 32% أن «الحلم الأمريكي» لا يزال قابلًا للتحقق.
وتبرز هنا ظاهرة يصفها خبراء الاقتصاد السلوكي بـ«العدمية المالية»، وهي حالة يفقد فيها الأفراد الثقة بأن الادخار أو الاستثمار طويل الأجل سيقودان إلى تحسين أوضاعهم المعيشية.
نتيجة لذلك، يتجه بعض الشباب إلى استثمارات عالية المخاطر، مثل العملات المشفرة أو أسواق التوقعات، أو يتخلون عن خطط الادخار التقليدية، باعتبار أن الوصول إلى امتلاك منزل أو تكوين ثروة أصبح هدفًا بعيد المنال.
ولا يقتصر الأمر على الجانب المالي، بل يمتد إلى سوق العمل نفسه. فبدلًا من النظر إلى الوظيفة باعتبارها بداية لمسار مهني طويل، يتعامل بعض هذا الجيل بوصفها مصدر دخل مؤقتًا، في ظل اعتقاد متزايد بأن الشركات لا توفر الأمان الوظيفي، وأن فرص التقدم أصبحت أكثر صعوبة.
كما أدى هذا الشعور إلى تراجع الحماس تجاه بناء مسارات مهنية طويلة داخل مؤسسة واحدة، وارتفاع معدلات التنقل بين الوظائف.
ويرى باحثون أن هذه المشاعر انعكست أيضًا على الصحة النفسية للشباب. فقد أظهرت دراسات اقتصادية حديثة أن مستويات التعاسة بين الفئات الشابة أصبحت أعلى من الفئات الأكبر سنًا في عديد من الدول، في تحول لافت عن النمط التقليدي الذي كان يشهد انخفاض الرضا عن الحياة في منتصف العمر ثم تحسنه لاحقًا.
ويشير بعض الباحثين إلى أن هذا التحول بدأ قبل جائحة كورونا، بالتزامن مع انتهاء أزمة الرهن العقاري، ما يعزز فرضية أن الضغوط الاقتصادية طويلة الأمد لعبت دورًا محوريًا في تشكيل نظرة هذا الجيل.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فبعض المؤشرات تشير إلى تحسن تدريجي في أوضاع الجيل زد مقارنة بما كان متوقعًا قبل سنوات. إذ بدأت معدلات تملك المنازل لدى بعض الفئات العمرية من هذا الجيل تتجاوز نظيراتها لدى جيل الألفية في العمر نفسه، مستفيدة من التوجه نحو منازل أصغر أو مدن أقل تكلفة.
كما يُنتظر أن يسهم انتقال ثروات ضخمة بين الأجيال خلال العقود المقبلة في تعزيز القدرات المالية لشريحة من الشباب.
لكن التحدي الحقيقي قد لا يكون اقتصاديًا فقط، بل نفسيًا أيضًا. فحتى مع تحسن بعض المؤشرات، قد يظل كثير من أبناء الجيل زد. مترددين في تغيير نظرتهم إلى العمل والادخار والاستثمار إذا استمرت القناعة بأن النظام الاقتصادي لا يكافئ الالتزام طويل الأجل.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالأزمة التي بدأت بارتفاع تكاليف الإسكان والمعيشة لم تغيّر قدرة الشباب على الادخار فحسب، بل أعادت تشكيل علاقتهم بالاقتصاد ومستقبلهم المالي، وربما تركت أثرًا يمتد لسنوات طويلة حتى بعد تحسن الظروف الاقتصادية.




