اقترب معدل الفائدة بين البنوك السعودية "السايبور" لأجل 3 أشهر من 5%، مسجلًا أعلى مستوى في أكثر من 4 أشهر. وأعادت هذه القفزة تكلفة السيولة داخل القطاع المصرفي إلى الواجهة.
لكن الارتفاع لا يعني أن البنوك تواجه أزمة في الحصول على الأموال. فالبيانات تشير إلى أن بعض البنوك أصبحت مستعدة لدفع تكلفة أعلى لتأمين التمويل خلال الأشهر المقبلة، بينما بقيت تكلفة السيولة القصيرة والتمويل المضمون أكثر استقرارًا.
لذلك تبدو الحركة أقرب إلى إعادة تسعير للتمويل غير المضمون متوسط الأجل، وليست إشارة إلى شح مصرفي شامل.
ورغم ارتفاع القراءة اليومية، ظل المتوسط المتحرك لـ"السايبور" خلال 21 يومًا أقل من متوسط الفترة المقابلة من العام الماضي بنحو 64 نقطة أساس. وهذا يعني أن القفزة الأخيرة لم تمح أثر تراجع أسعار الفائدة مقارنة بـ2025.
كذلك لم تظهر الحركة بالقوة نفسها في سوق التمويل المضمون. فقد بقي معدل الريبو لأجل 13 أسبوعًا قريبًا من مستوياته السابقة. وفي الوقت نفسه، تشير محصلة عمليات الريبو والريبو العكسي لدى "ساما" إلى استمرار وجود فائض سيولة على مستوى القطاع المصرفي.
وبالتالي لا يبدو أن الأموال اختفت من النظام، بل إن انتقالها بين البنوك من دون ضمانات، ولآجال تمتد عدة أشهر، أصبح أكثر تكلفة.
ووفقًا لبيانات "بلومبرغ"، بلغ سعر الفائدة بين البنوك السعودية لأجل 3 أشهر 4.97%، متجاوزًا متوسطه المتحرك لـ21 يومًا بنحو 14 نقطة أساس. كما ارتفع أجل الـ6 أشهر إلى 5.13%، قبل أن يتراجع أجل السنة إلى 4.99%. أما أجل الشهر، فسجل المستوى الأدنى عند 4.65%.
الضغط يتركز في الآجال المتوسطة
لا تكمن الإشارة الأهم في ارتفاع "سايبور" 3 أشهر وحده، بل في اختلاف حركة الأسعار باختلاف مدة التمويل.
فقد ظهر الضغط بصورة أوضح في أجلي 3 و6 أشهر. وفي المقابل، كان تحرك فائدة الشهر الواحد أكثر هدوءًا، كما ارتفع أجل السنة بوتيرة أقل حدة.
وتوحي هذه الصورة بأن البنوك لا تعاني نقصًا حادًا في الأموال اللازمة لتغطية عملياتها اليومية. لكنها أصبحت تضع سعرًا أعلى على السيولة التي ستبقى متاحة لعدة أشهر.
فقد يكون البنك قادرًا على تلبية احتياجاته الحالية بصورة طبيعية، لكنه يفضل دفع تكلفة إضافية لتأمين التمويل لفترة أطول. وقد يرتبط ذلك بتوقع نمو القروض أو اقتراب استحقاقات تمويلية.
ولهذا تركز الضغط في منتصف منحنى الفائدة، بدل أن ينتشر بالقوة نفسها على جميع الآجال. وهذا يختلف عن حالات شح السيولة الشامل، التي يظهر أثرها عادة بصورة أسرع في التمويل القصير وسوق الريبو المضمون.
إضافة إلى ذلك، بقيت عوائد أذونات "ساما" مستقرة نسبيًا عند الآجال القريبة. وهذا يدعم فكرة أن القفزة لم تنتج عن تغير واسع في توقعات السياسة النقدية، بل عن ارتفاع علاوة التمويل غير المضمون بين البنوك.
فالتمويل عبر سوق الريبو يتم مقابل ضمانات، بينما يعكس "السايبور" تكلفة الإقراض دون ضمانات. وعندما يتسع الفارق بينهما، فهذا يعني أن البنوك تطلب عائدًا أكبر مقابل تحمل مخاطر الإقراض لبنوك أخرى من دون أصول مرهونة.
وقد يعكس ذلك تفاوت نمو القروض والودائع أو اختلاف مواعيد الاستحقاقات. فالقطاع قد يمتلك فائضًا إجماليًا، لكن هذا الفائض لا يكون موزعًا بالتساوي بين جميع البنوك.
القفزة لا تعكس سعرًا واحدًا لدى الجميع
يُحتسب "السايبور" من الأسعار التي تقدمها مجموعة من البنوك. وبعد ترتيب المساهمات، تُستبعد أعلى وأدنى القراءات، ثم يُحسب المتوسط من الأسعار المتبقية.
وتظهر البيانات أن الارتفاع لم يأت من بنك واحد فقط. فقد رفعت غالبية البنوك مساهماتها، لكن بدرجات متفاوتة. كما اتسع الفارق بين أعلى وأدنى المساهمات، ما يكشف اختلافًا واضحًا في أوضاع السيولة وتكلفة التمويل.
كذلك تأثرت القراءة النهائية بتغير البنوك الداخلة في المتوسط بعد تطبيق الاستبعاد. أي إن جزءًا من القفزة جاء من ارتفاع المساهمات نفسها، بينما نتج جزء آخر من تغير تركيبة الأسعار المستخدمة في احتساب المؤشر.
ولهذا لا تعني الزيادة أن جميع البنوك اقترضت بالتكلفة نفسها، أو أنها تواجه الدرجة ذاتها من الضغط.
ومع ذلك، لا توضح البيانات المنشورة ما إذا كانت جميع الأسعار المقدمة تعكس صفقات اقتراض نُفذت بالفعل.
فمنهجية "السايبور" تعتمد على المعاملات الفعلية متى توافرت بيانات كافية. لكنها تسمح باستخدام مصادر أخرى وتقديرات مهنية عندما يكون نشاط الاقتراض محدودًا.
لذلك يمكن القول إن البنوك رفعت تقديرها لتكلفة الاقتراض لمدة 3 أشهر. لكن لا يمكن افتراض أن التمويل جرى تداوله فعليًا بهذه الأسعار لدى جميع البنوك.

نمت محفظة قروض البنوك السعودية إلى نحو 3.26 تريليون ريال في الربع الثاني من 2026، فيما تباطأ النمو السنوي إلى قرابة 7%، وهي أدنى وتيرة في خمسة أعوام على الأقل.
رسم بياني يوضح نمو إجمالي محفظة قروض البنوك السعودية من نحو 2.5 تريليون ريال في الربع الأول من 2024 إلى قرابة 3.26 تريليون ريال في الربع الثاني من 2026، بالتزامن مع تباطؤ معدل النمو السنوي من ذروة تقارب 17% في 2025 إلى نحو 7%.
محفظة قروض البنوك -02
أثر مباشر في المقترضين وربحية البنوك
يُستخدم "السايبور" مرجعًا لتسعير شريحة واسعة من القروض ذات الفائدة المتغيرة، خصوصًا تمويلات الشركات. كما يدخل في تسعير بعض التمويلات العقارية وتمويلات الأفراد.
وعادة ما يدفع العميل سعر "السايبور" مضافًا إليه هامش ثابت يحصل عليه البنك. لذلك يؤدي ارتفاع المؤشر، عند حلول موعد إعادة التسعير، إلى زيادة الأقساط أو المصروفات التمويلية.
ولا يظهر الأثر في جميع المقترضين في الوقت نفسه. فهو يعتمد على شروط العقد وموعد مراجعة الفائدة. لكن بقاء "السايبور" قريبًا من 5% يعني استمرار تكلفة الاقتراض عند مستويات مرتفعة نسبيًا.
أما بالنسبة إلى البنوك، فالأثر ليس موحدًا. فقد ترتفع عوائد القروض المرتبطة بالمؤشر، لكن في المقابل قد تزيد تكلفة جذب الودائع والحصول على التمويل من السوق.
وقد يستفيد البنك الذي يعيد تسعير قروضه بسرعة، ويحتفظ بقاعدة واسعة من الودائع منخفضة التكلفة. أما البنك الأكثر اعتمادًا على الودائع لأجل أو التمويل مرتفع التكلفة، فقد يواجه ضغطًا على هامش الربحية.
وفي المحصلة، لا تقدم القفزة الحالية دليلًا على أزمة سيولة مصرفية. لكنها تكشف أن الحصول على تمويل غير مضمون لعدة أشهر أصبح أكثر تكلفة، وأن توزيع السيولة واحتياجات التمويل يختلفان بوضوح بين البنوك.

