سجلت الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري "البحري" والمدرجة في "تاسي" فصلا لافتا في تاريخها، بعدما قفزت إيراداتها وأرباحها إلى مستويات قياسية، مستفيدة بصورة رئيسية من ارتفاع أسعار شحن النفط جراء اضطرابات المنطقة، وقلة الناقلات المتاحة، وزيادة الطلب على الرحلات البحرية الطويلة.
وحققت الشركة خلال الربع الثاني من 2026 إيرادات بلغت 6.31 مليار ريال بنمو 156% على أساس سنوي، بينما وصل صافي الربح العائد للمساهمين إلى 2.75 مليار ريال بنمو 574% وبأعلى من التوقعات بنحو 2% وفق بيانات جمعتها "بلومبرغ".
استطاعت الشركة رغم اضطرابات مضيق هرمز أن تشغل تجاريا كاملا أسطولها البالغ 107 ناقلات خلال الربع الثاني.
القراءة الأقرب تشير إلى أن "البحري" أصبحت أقوى ماليا وأكثر مرونة في إدارة أسطولها، إلا أن الجزء الأكبر من القفزة الحالية يرتبط بارتفاع أسعار الشحن، خصوصا في ناقلات النفط الخام، وهي أسعار معروفة بتقلبها من دورة إلى أخرى.
النفط يقود الطفرة
جاء معظم النمو من قطاع نقل النفط، الذي أصبح يمثل نحو ثلاثة أرباع إيرادات المجموعة، بعد ارتفاع الطلب على الناقلات وصعود الأسعار التي تحصل عليها الشركة مقابل الرحلات.
واستفادت سوق الشحن من نقص الناقلات المتاحة جراء الأحداث الجيوسياسية، إلى جانب زيادة المسافات التي تقطعها الشحنات النفطية نتيجة تغير مسارات التجارة العالمية. فبالنسبة إلى شركات النقل البحري، لا يتحدد الطلب بكمية النفط المنقولة وحدها، بل بالمسافة التي تقطعها كل شحنة.
وعندما تطول الرحلات، تبقى الناقلة مشغولة لفترة أطول، ما يقلل عدد السفن المتاحة في السوق ويدفع أسعار الشحن إلى الارتفاع.
كما دعمت زيادة أهمية مسارات البحر الأحمر وميناء ينبع مرونة "البحري"، نظرا إلى قدرتها على العمل من الساحلين الشرقي والغربي للسعودية وإعادة توجيه الناقلات بحسب حركة الطلب.
وساعدت العلاقة الإستراتيجية مع "أرامكو السعودية"، التي تمتلك حصة في الشركة، على تعزيز مكانة "البحري" في نقل شحنات الخام السعودي المبيعة وفق عقود التسليم إلى العملاء.
ناقلات مستأجرة ترفع الإيرادات
لم تعتمد الشركة على أسطولها المملوك فقط للاستفادة من الطلب المرتفع، بل استأجرت ناقلات إضافية من شركات أخرى لتلبية احتياجات العملاء وتنفيذ عدد أكبر من الرحلات.
أتاحت هذه السياسة لـ"البحري" زيادة إيراداتها بسرعة دون انتظار شراء أو بناء سفن جديدة، لكنها جاءت بتكلفة أعلى.
فالناقلة المملوكة تحقق للشركة عادة هامش ربح أفضل، بينما تحصل الجهة المالكة للناقلة المستأجرة على جزء من العائد. لذلك ارتفعت الإيرادات والأرباح بالقيمة، ورغم ذلك استطاعت الشركة أن تحقق هوامش ربحية بنحو 44% وهي الأعلى في تاريخ الشركة.
الأرباح ليست محاسبية فقط
تضمنت نتائج الربع بعض المكاسب غير المتكررة، من بينها بيع ناقلة نفط قديمة وعكس مخصصات مالية في عدد من القطاعات.
لكن هذه البنود بقيت محدودة مقارنة بحجم الأرباح التشغيلية، ولم تكن السبب الرئيسي وراء القفزة في النتائج.
وبعد استبعاد البنود الاستثنائية المعلنة، يظل النمو الأساسي في الأرباح قويا، ما يعني أن النتائج جاءت أساسا من نشاط الشركة الفعلي، وليس من بيع الأصول أو المعالجات المحاسبية.
إلا أن ذلك لا يجعل الأرباح مضمونة الاستمرار. فالمخاطرة الرئيسية لا ترتبط بجودة الاعتراف المحاسبي، بل باحتمال تراجع أسعار الشحن عندما تتحسن وفرة الناقلات أو تتغير مسارات التجارة.
تحسن خارج قطاع النفط
رغم هيمنة ناقلات النفط على النتائج، سجلت بعض الأنشطة الأخرى تحسنا ملحوظا. وحقق قطاع الخدمات اللوجستية المتكاملة نموا قويا، مستفيدا من ارتفاع الطلب على النقل عبر الحدود والشحن الجوي والحلول التي تجمع أكثر من وسيلة نقل ضمن خدمة واحدة.
ويعد هذا القطاع أحد أبرز مصادر التنويع التي يمكن أن تقلل اعتماد الشركة على دورة ناقلات النفط على المدى الطويل، رغم أن مساهمته الحالية في إيرادات المجموعة لا تزال محدودة.
كما ارتفعت إيرادات قطاع البضائع السائبة، لكن زيادة الاعتماد على السفن المستأجرة حدت من نمو الأرباح بالوتيرة نفسها.
أما قطاع نقل الكيماويات والمنتجات، فحافظ على أداء مستقر نسبيا، إلا أن نمو الإيرادات لم يترجم بالكامل إلى زيادة مماثلة في الأرباح التشغيلية.
السيولة تدعم قوة النتائج
لم تقتصر قوة الربع على الأرباح المسجلة في قائمة الدخل، بل امتدت إلى التدفقات النقدية. فقد نجحت "البحري" في تحويل معظم أرباح الربع إلى سيولة فعلية من العمليات، ما يعكس تحسن التحصيل وإدارة رأس المال العامل، ويعطي النتائج جودة نقدية أفضل.
كما حققت الشركة تدفقات نقدية حرة بلغت 1.99 مليار ريال خلال الربع الثاني، بعد أن كانت سالبة في الفترة نفسها من العام الماضي.
لكن جزءا مهما من هذا التحسن جاء من انخفاض الإنفاق الرأسمالي إلى 547 مليونا انخفاضا من 1.7 مليار ريال، وليس من نمو التدفقات التشغيلية وحده. لذلك قد لا يستمر المستوى الحالي للتدفق النقدي الحر عندما تتسارع دفعات بناء الناقلات الجديدة حيث تظهر الشركة سجل طلبات بناء الناقلات بلوغها 12 ناقلة بتسليمات تبدأ من العام الجاري وحتى 2030.
الدين يتراجع والميزانية تصبح أكثر مرونة
استخدمت الشركة جزءا كبيرا من السيولة المتولدة في خفض المديونية، لينخفض صافي الدين بنحو الثلث على أساس سنوي.
وأسهم ذلك في تحسين قدرة "البحري" على مواجهة تقلبات سوق الشحن، كما منحها مساحة أكبر لتمويل تحديث الأسطول أو اغتنام فرص شراء ناقلات دون الحاجة إلى رفع الاقتراض بصورة كبيرة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن الشركة لديها برنامج توسع يتضمن عددا من الناقلات الجديدة التي يفترض تسلمها على مراحل خلال الأعوام المقبلة.
وبذلك لا يعني انخفاض الإنفاق الرأسمالي في النصف الأول انتهاء دورة الاستثمار، إذ من المرجح أن ترتفع المدفوعات مجددا مع تقدم أعمال البناء والتسليم.
"البحري" تمر بمرحلة ربحية استثنائية، ونجحت في استغلال ظروف السوق وتحويلها إلى أرباح وسيولة وخفض للديون.
لكن جاذبية الأداء مستقبلا لن تعتمد على حجم أرباح ربع واحد فقط، بل على قدرة الشركة على استثمار سيولة هذه المرحلة في أسطول أكثر كفاءة وأنشطة أكثر تنوعا، دون التوسع في شراء السفن عند أسعار مرتفعة قبل تغير دورة الشحن بعد انتهاء الاضطرابات في المنطقة.

