الأربعاء, 16 سبتمبر 2026|3 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تنتظر الأسواق من الفيدرالي أن يرفع الفائدة. لكن البنك المركزي الأمريكي قد يختار الأربعاء أن يفعل شيئاً آخر لا شيء.

ليست الفكرة أن التضخم انتهى، ولا أن الاقتصاد أصبح في حاجة إلى تيسير نقدي. التضخم لا يزال أعلى بوضوح من هدف 2%، والاقتصاد متماسك، وبعض مؤشرات الأسعار ما زالت مقلقة. لكن السؤال الذي سيواجهه أعضاء الفيدرالي ليس ما إذا كان التضخم مرتفعا، بل ما إذا أصبح مرتفعا بالقدر الذي يتطلب جرعة جديدة من التشديد الآن.

وهنا تصبح الصورة أقل وضوحا مما توحي به رهانات الأسواق.

فخلف الأرقام المرتفعة تظهر مؤشرات على تراجع جزء من ضغوط الطلب، واعتدال تكلفة العمل، واستقرار نسبي في توقعات التضخم طويلة الأجل. وفي الوقت نفسه بدأت العوائد المرتفعة تؤدي جزءا من مهمة السياسة النقدية بنفسها، ليس فقط في الأسواق المالية، بل ربما أيضا في قرارات الاستثمار الضخمة التي تقودها طفرة الذكاء الاصطناعي. إلى جانب تغير في منهجية احتساب مؤشر التضخم المفضل للفيدرالي بنهاية الشهر، مع تعديل البيانات السابقة بأثر رجعي.

لهذا قد يتجه الفيدرالي لتثبيت الفائدة، لكنه لن يمنح الأسواق راحة كاملة. الأرجح، في هذا السيناريو، أن يبقي باب الرفع مفتوحا ويطلب دليلا أقوى قبل الخطوة التالية.

التضخم مرتفع .. لكن أين تكمن المشكلة؟

حجة الرفع قوية في ظاهرها. بلغ التضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي 3.7% خلال عام حتى يوليو، فيما سجل المؤشر الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، 3.3%. كلا الرقمين لا يزال بعيدا عن هدف الفيدرالي البالغ 2%.

لكن الرقم الإجمالي لا يقول وحده لماذا ترتفع الأسعار، وهذه مسألة مهمة للبنك المركزي. فرفع الفائدة يستطيع كبح الطلب، لكنه لا يستطيع إنتاج مزيد من النفط أو معالجة كل صدمة في جانب العرض.

يظهر تفكيك فيدرالي سان فرانسيسكو أن مساهمة المكونات المصنفة بأنها مدفوعة بالطلب في التضخم الأساسي السنوي انخفضت من نحو 1.47 نقطة مئوية في أغسطس 2025 إلى 1.09 نقطة في يوليو 2026، رغم ارتفاع المؤشر الأساسي إجمالا.

وفي قياس آخر، سجل المتوسط المشذب لفيدرالي دالاس 2.3% خلال عام، مقابل 3.3% للمؤشر الأساسي التقليدي. 

ولا يعني ذلك أن مشكلة التضخم اختفت. لكنه يغير السؤال. فإذا كان جزء متزايد من الضغط يأتي من عوامل لا تستجيب سريعا للفائدة، فهل يحتاج الاقتصاد إلى رفع إضافي الآن، أم أن الأفضل منح السياسة الحالية مزيدا من الوقت؟

الصورتان لا تقولان إن التضخم عاد إلى الهدف. لكنهما تقولان إن القصة أكثر تعقيدا من رقم واحد مرتفع.

تشير التحليلات إلى أن رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لن يقدم الكثير لكبح التضخم.

Wed, 16 2026

البنزين ارتفع .. لكن الخوف لم ينتشر بعد

هذه المفارقة ظهرت أيضا في بيانات أسعار المستهلك. في أغسطس، ارتفع المؤشر 0.4% خلال شهر، وأسهم البنزين بأكثر من ثلث الزيادة بعد قفزة بلغت 3.9%. وفي المقابل، تباطأ التضخم الأساسي السنوي إلى 2.4% من 2.5%.

ارتفاع الوقود مهم. فهو يصل سريعا إلى المستهلك، ويؤثر في المزاج والإنفاق، وقد يرفع تكاليف النقل والإنتاج. لكن بالنسبة إلى الفيدرالي، الخطر الأكبر يبدأ عندما تنتقل الصدمة من محطة الوقود إلى توقعات الأجور والأسعار لسنوات مقبلة.

حتى الآن، لم يحدث ذلك بالدرجة نفسها. أظهر مسح فيدرالي نيويورك لأغسطس أن توقعات ارتفاع أسعار البنزين خلال عام قفزت إلى 4.6% من 2.9%. لكن توقعات التضخم لخمس سنوات بقيت عند 3%، فيما تراجعت توقعات ثلاث سنوات قليلا إلى 3.2%.

أي أن المستهلك الأمريكي يتوقع وقودا أغلى، لكنه لم يحول هذه الصدمة حتى الآن إلى اعتقاد بأن الأسعار ستنفلت لسنوات. وهذه نقطة لا يمكن تجاهلها.

الفيدرالي لا يستطيع خفض سعر النفط بقرار فائدة، لكنه يستطيع التدخل إذا بدأت صدمة الطاقة تتسلل إلى الأجور وقرارات التسعير والتوقعات طويلة الأجل. وبقاء هذه التوقعات أكثر استقرارا يمنحه مساحة للانتظار.

لكن الصورة ليست مريحة تماما. فبيانات أسعار المنتجين أظهرت أن المؤشر المستبعد منه الغذاء والطاقة والتجارة ارتفع 0.3% خلال أغسطس و4.7% عن العام السابق. لذلك سيكون من المبالغة تفسير كل ضغوط الأسعار بالنفط وحده. المسألة ليست أن التضخم اختفى، بل أن الأدلة لا تزال مختلطة.

الأجور لم تشعل التضخم بعد

أحد أكبر مخاوف أي بنك مركزي أن تبدأ الأسعار والأجور في تغذية بعضها بعضا. ترتفع الأسعار، فيطالب العامل بأجر أعلى، فترتفع تكاليف الشركات، ثم تعيد الشركات رفع الأسعار. عندها يصبح التضخم أكثر رسوخا وأصعب في العلاج.

لكن الإنتاجية تستطيع كسر جزء من هذه الحلقة. في الربع الثاني، ارتفعت إنتاجية العمل في قطاع الأعمال غير الزراعي 2.2% مقارنة بالعام السابق، فيما زادت تكلفة العمل لكل وحدة إنتاج 1.4% فقط.

أي أن الشركات تدفع أجورا أعلى، لكنها تحصل أيضا على إنتاج أكبر مقابل ساعة العمل. وهذا يقلل مقدار التكلفة الذي تحتاج إلى تمريره إلى المستهلك.

ولهذا رأى كريستوفر والر، في الثالث من سبتمبر، أن نمو الأجور بعد احتساب الإنتاجية لا يتعارض بصورة عامة مع عودة التضخم نحو 2%.

وأشار أيضا إلى أن التضخم الأساسي المحسوب لثلاثة أشهر على أساس سنوي تراجع من 4.76% في فبراير إلى 3.05% في يوليو.

لكن "والر" رسالته كانت مشروطة استمرار التحسن يسمح بالانتظار، أما عودة التضخم للتسارع فقد تبرر الرفع.

وتظل هناك إشارة تحذير مهمة. فتقديرات فيدرالي كليفلاند المنشورة في 15 سبتمبر تتوقع أن يرتفع مؤشر نفقات المستهلكين الأساسي "Core PCE" في أغسطس 0.27% خلال الشهر و3.4% على أساس سنوي. هذه ليست القراءة الرسمية، لكنها تذكير بأن الطريق نحو 2% لم يصبح واضحا بعد.

انخفض الذهب بأكثر من 3% في سبتمبر.

Wed, 16 2026

العوائد المرتفعة بدأت تعمل خارج وول ستريت

هناك أيضا شيء آخر يحدث بعيدا عن أسعار السلع والخدمات. العوائد المرتفعة لم تعد مجرد رقم يتحرك على شاشات أسواق السندات. إنها بدأت تدخل مباشرة في حسابات الشركات التي تقود واحدة من أكبر موجات الاستثمار في الاقتصاد الأمريكي، الذكاء الاصطناعي.

فشركات كبرى في التقنية بدأت تتحول تدفقاتها النقدية الحرة للمنطقة السالبة، مما يوسع طلبها على الدين لتمويل توسعها.

ومن هنا تدخل الفائدة إلى القصة. يمكن تمويل الإنفاق من السيولة المتراكمة أو دفعات العملاء أو الاقتراض وأسواق رأس المال. لكن كلما زادت الحاجة إلى التمويل الخارجي أصبحت تكلفة المال أكثر تأثيرا في قرار بناء المشروع التالي.

العوائد المرتفعة لن توقف مركز بيانات يجري تشييده اليوم. لكنها قد تؤخر المركز التالي. وقد لا تلغي شركة مشروعا جديدا، لكنها قد تبنيه على مراحل أطول، أو تعيد ترتيب أولوياتها، أو تطلب عائدا أعلى قبل أن تضخ المزيد من رأس المال.

إذا اتسع هذا السلوك، لا يحتاج الإنفاق إلى الانخفاض حتى يتأثر الاقتصاد. يكفي أن ينمو بوتيرة أبطأ مما كان متوقعا. عندها يهدأ جزء من الطلب على المعدات والإنشاءات والطاقة والعمالة، ومن ثم يخف بعض الضغط على الأسعار.

هذه ليست نتيجة ثبتت بالفعل. لكنها قناة نقدية تستحق المراقبة، خصوصا أن محضر اجتماع يوليو أشار إلى ارتفاع اعتماد الإنفاق الرأسمالي في قطاع الذكاء الاصطناعي على الاقتراض.

بمعنى آخر، قد تكون السياسة النقدية بدأت تعمل في المكان الذي يريد الفيدرالي الوصول إليه قبل أن يرفع الفائدة مرة أخرى.

رقم قد يتغير بعد أسبوعين

توجد أيضاً مشكلة أصغر، لكنها مهمة في اجتماع تتحرك فيه القرارات على أعشار النقاط المئوية.

أشار "والر" إلى أن الخدمات غير السوقية شكلت نحو نصف الزيادة الشهرية في التضخم الأساسي خلال يوليو، وتوقع أن يؤدي تعديل طريقة احتساب بعض الخدمات المالية إلى خفض التضخم السنوي ببضعة أعشار نقطة مئوية.

التعديل لم يصدر بعد. وفي 30 سبتمبر، سيجري مكتب التحليل الاقتصادي تحديثا يتضمن تغييرات في قياس خدمات إدارة المحافظ والخدمات القانونية وبرامج الكمبيوتر.

لا يستطيع الفيدرالي بناء قراره على رقم لم يصدر. لكنه يعرف أن جزءا من الصورة الحالية قد يتغير بعد أقل من أسبوعين. وفي اجتماع لا توجد فيه ضرورة واضحة للتحرك فورا، يصبح الانتظار خيارا سياسيا بحد ذاته.

Tue, 15 2026

وارش لا يريد أن تقوده توقعات السوق

ثم هناك طريقة رئيس الفيدرالي كيفين وارش في إدارة الرسالة. منذ بداية عهده، كان واضحا في تحفظه على التوجيه المستقبلي المفرط.

وفي جاكسون هول، انتقد تحويل الإشارات المستقبلية إلى ما يشبه الالتزام خارج ظروف الأزمات، لأن ذلك قد يقيد حرية البنك المركزي ويجعل الأسواق تتحرك بناء على وعود ضمنية بدلا من تحليل البيانات.

وهذا مهم في الاجتماع الحالي. إذا كانت الأسواق تتوقع الرفع، فهذا لا يعني أن الفيدرالي أصبح ملزما بمنحها ما تريد. في يوليو، أيد 9 أعضاء التثبيت مقابل 3 فضلوا الرفع. ومع ذلك، أظهر المحضر قلقا واضحا من بقاء التضخم مرتفعا، واستعدادا للتشديد إذا لم يتحسن المسار.

لذلك لا يمكن وصف رهان الرفع بأنه مبالغ فيه أو بلا أساس. كما أن الفيدرالي لا يحتاج إلى إعلان دورة تشديد كاملة حتى يرفع ربع نقطة واحدة.

لكن السؤال يبقى: لماذا الآن؟

مساهمة الطلب في التضخم تتراجع. تكلفة العمل أصبحت أكثر اعتدالا عند احتساب الإنتاجية. توقعات التضخم طويلة الأجل لم تتحرك مع البنزين بالقدر نفسه. العوائد المرتفعة بدأت تضغط على تكلفة الاستثمار والتمويل. وبعض الأرقام التي تبدو ساخنة اليوم قد تتغير جزئيا مع المراجعات المقبلة.

لا يوجد في هذه العوامل ما يسمح للفيدرالي بإعلان النصر على التضخم. لكنها مجتمعة تمنحه سببا مقنعا للانتظار.

ولهذا ربما يترك الفيدرالي الفائدة دون تغيير، ويحافظ في الوقت نفسه على لغة متشددة، ويرفض تقديم أي وعد بشأن الاجتماع التالي.

لن يقول إن التضخم انتهى. ولن يقول إن الرفع خرج من الطاولة. رسالته قد تكون أبسط من ذلك: الاقتصاد لم يقدم بعد دليلا كافيا على أن جرعة إضافية من التشديد ضرورية اليوم.

الأسواق تدخل الاجتماع وهي تنتظر قرارا يؤكد رهانها. أما الفيدرالي، فقد يختار أن ينتظر دليلاً آخر.

وحدة التحليل 

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية