أفصح لـ "الاقتصادية" وزير العدل السعودي وليد الصمعاني، عن قيام نظام التنفيذ الجديد الذي أقره مجلس الوزراء في أبريل الماضي، على فلسفة متوازنة تحفظ حق الدائن في الوصول إلى حقه وتراعي الحقوق الأساسية للمدين وأسرته، مؤكدًا أن المطلوب في النظام الجديد الوصول إلى الحق "لا الإضرار بالإنسان".
وزير العدل قال "الحقوق لا تكتمل حمايتها بمجرد صدور الحكم أو السند وإنما باستيفائه بكفاءة وموثوقية تعزز بيئة الأعمال، ورفع الثقة في التعاملات المالية والتجارية"، مبينا أن العام المنصرم 2025 سجل 1.6 مليون طلب تنفيذ بقيمة تبلغ 165 مليار ريال.
الوزير السعودي أكد في حوار مع "الاقتصادية" تركز على نظام التنفيذ، أن إنفاذ الحقوق والعقود يمثل عنصرا جوهريا في الثقة الاستثمارية واستقرار التعاملات الاقتصادية "فكلما كانت إجراء التنفيذ أكثر وضوحًا وسرعة وفاعلية زادت موثوقية البيئة العدلية والاقتصادية".
يشهد القطاع العدلي في السعودية تغييرات جذرية منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 عام 2016، إذ تم إقرار عدة أنظمة تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية وقطاعات مختلفة في البلاد، وعلى رأس من يتولى هذه التحولات وزير العدل السعودي الدكتور وليد الصمعاني الذي تم اختياره منذ التشكيل الأول لمجلس الوزراء في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز.
من أبرز الأنظمة العدلية المقرة من الحكومة السعودية، نظام التنفيذ الجديد الذي شهد تعديلات جوهرية أبرزها إلغاء الحبس للمتعثرين عن السداد والتدابير المتعلقة بإيقاف الخدمات وتقييد المنع من السفر.

صورة(3)
حول المحاكم التجارية، أوضح الصمعاني أن عدد القضايا التي باشرتها المحاكم التجارية بلغت 500 ألف قضية منذ تأسيسها حتى الآن، فيما صدر أكثر من 97.6 ألف حكم تجاري في 2025 بارتفاع 32 % مقارنة بالعام 2024.
الوزير تحدث عن التحول الرقمي في القطاع العدلي من مرحلة التأسيس حتى جودة الخدمات حالياً، والذكاء الاصطناعي ودوره في تعزيز المنظومة العدلية.
نص الحوار:
معالي الوزير، يحظى المرفق العدلي بدعم كبير من خادم الحرمين الشريفين، وحرص ومتابعة مستمرة من ولي العهد لتعزيز كفاءة منظومة العدالة.. كيف انعكس هذا الدعم على نضج المنظومة العدلية، وما أبرز التحولات التي غيّرت شكل العدالة في السعودية خلال الأعوام الأخيرة؟
الدعم الكبير من خادم الحرمين الشريفين، والدعم والمتابعة المباشرة من سمو ولي العهد -حفظهما الله-، كانا الأساس في التحول الذي شهدته المنظومة العدلية خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى التشريعات، أو التقنية، أو جودة الخدمات.
ومن أبرز التحولات تطوير التشريعات المتخصصة التي أعلن عنها سمو ولي العهد، وصدر منها نظام الإثبات، ونظام الأحوال الشخصية، ونظام المعاملات المدنية، إضافة إلى رفع كفاءة الإجراءات وهندستها، والتوسع في الخدمات العدلية الرقمية، وتعزيز التخصص القضائي، وتحسين تجربة المستفيد، ومواكبة التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
فالعدالة اليوم لم تعد مرتبطة بالإجراء التقليدي أو المكان، بل أصبحت منظومة مؤسسية رقمية متكاملة تُنجز بكفاءة أعلى، وتصل إلى المستفيد بيسر وشفافية.
وقد أسهمت هذه التحولات في رفع كفاءة القضاء، وتسريع استيفاء الحقوق، وتعزيز الثقة في البيئة العدلية والاستثمارية، وبناء نموذج سعودي متقدم في التطوير القضائي، انعكس على عدد من المؤشرات العدلية العالمية.
شهدت محاكم التنفيذ نموًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، بالتزامن مع صدور نظام التنفيذ الجديد.. كيف أعاد هذا الواقع تشكيل مفهوم التنفيذ وفلسفته في المنظومة العدلية؟
يقوم نظام التنفيذ الجديد على فلسفة متوازنة تحفظ حق الدائن في الوصول إلى حقه، وفي الوقت نفسه تراعي الحقوق الأساسية للمدين وأسرته، ولا تجعل التعثر المالي سببًا للإضرار بشخص الإنسان أو المساس بكرامته.
والمطلوب في التنفيذ هو الوصول إلى الحق لا الإضرار بالإنسان.

صورة(4)
كما أن مفهوم التنفيذ اليوم لم يعد يقتصر على كونه إجراءً لاحقًا للحكم أو السند التنفيذي، بل أصبح ركيزة لتعزيز الثقة في التعاملات والعقود واستقرار النشاط الاقتصادي؛ لأن قيمة العقد لا تتحقق بمجرد إبرامه، وإنما بوجود منظومة تنفيذية فعالة تضمن استيفاء الحقوق بكفاءة وسرعة عند التعثر أو النزاع.
وقد شهد عام 2025 تسجيل أكثر من 1.6 مليون طلب تنفيذ بقيمة تجاوزت 165 مليار ريال؛ وهو ما يعكس حجم التعاملات المالية التي تمر عبر المنظومة العدلية، وما تحظى به من ثقة في استيفاء الحقوق.
ومن هنا نقل النظام التنفيذ من التركيز على شخص المدين إلى التركيز على ذمته المالية وأصوله، مع تعزيز أدوات الإفصاح وتتبع الأموال، وضبط الإجراءات، والتوسع في الحلول الرقمية، بما يحقق عدالة ناجزة دون تجاوز للضمانات.
فالحق لا تكتمل حمايته بمجرد صدور الحكم أو السند، وإنما باستيفائه بكفاءة وموثوقية؛ وهو ما يسهم في تعزيز استقرار بيئة الأعمال، وتقليل الآثار الاجتماعية، ورفع الثقة في التعاملات المالية والتجارية.
كيف يسهم نظام التنفيذ الجديد في تعزيز الثقة بالبيئة الاستثمارية واستقرار التعاملات المالية والتجارية في السعودية؟
إنفاذ الحقوق والعقود يمثل عنصرًا جوهريًا في الثقة الاستثمارية واستقرار التعاملات الاقتصادية، فكلما كانت إجراءات التنفيذ أكثر وضوحًا وسرعة وفاعلية، زادت موثوقية البيئة العدلية والاقتصادية.
كما أن كفاءة التنفيذ لا تنعكس على الدائن وحده، بل على الدورة الاقتصادية عمومًا؛ لأن أي تأخر في استيفاء الحقوق يؤثر في السيولة، وقدرة الشركات والأفراد على الوفاء بالتزاماتهم، واستقرار التعاملات في السوق.
ومن هنا جاء النظام الجديد لرفع كفاءة التنفيذ، وتطوير أدوات الوصول إلى الأموال، وتعزيز موثوقية السندات التنفيذية، وتقليل النزاعات الشكلية؛ بما يسهم في تسريع دوران الأموال، والحد من مخاطر التعثر، ورفع الثقة في العقود والتعاملات المالية والتجارية.
كما أن تعزيز قدرة الدائنين على استيفاء حقوقهم ينعكس إيجابًا على قرارات الإقراض والتمويل، ويزيد فرص توسع المؤسسات المالية في بيئة أكثر وضوحًا واستقرارًا، وهو ما يدعم تنافسية المملكة ويعزز جاذبيتها الاستثمارية.

صورة(7)
- يتضمن النظام آليات موسعة لتبادل البيانات وتتبع الحركة المالية للأفراد والشركات بالتكامل مع جهات حكومية وقطاع خاص.. كيف سيُدار هذا التكامل، وما أثره المتوقع في سرعة وكفاءة التنفيذ؟
تتبع الأموال يعد من أبرز الإجراءات التي اعتنى بها النظام الجديد، فالحجز التنفيذي لا يقتصر على الأموال المتوفرة في الحسابات البنكية أو المحافظ الاستثمارية، بل يمتد إلى تتبع حركة الأموال، خصوصًا في الديون الكبيرة.
ويتم هذا التكامل عبر أوامر تصدر من المحكمة المختصة، تتضمن تمكين الجهات المرخص لها من الوصول إلى البيانات والمعلومات ذات العلاقة وفق ضوابط وإجراءات نظامية دقيقة.
والأثر المتوقع يتمثل في رفع حصيلة التنفيذ، ومكافحة حالات تهريب الأموال وإخفائها، وتسريع استيفاء الحقوق، وتوسيع مجالات التحصيل بما يعزز كفاءة التنفيذ وفاعليته، ويعزز موثوقية التعاملات المالية والتجارية.
النظام الجديد أولى اهتمامًا بالسندات الإلكترونية وتوثيقها عبر المنصات المعتمدة. هل نحن أمام مرحلة انتقال تدريجي من السندات الورقية إلى البيئة الرقمية بالكامل؟
السندات التنفيذية تشهد نموًا يقارب 20% سنويًا، وهو ما استدعى رفع موثوقيتها عبر اشتراط تسجيلها إلكترونيًا في المنصات المعتمدة.
وهذا التوجه لا يقتصر على الاستغناء عن الورق، بل يسهم في توثيق بيانات السند والتحقق منها بشكل أدق، ويقلل احتمالات التزوير أو التحايل، ويسرّع إجراءات التنفيذ، ويعزز قابلية التحقق من الالتزامات المالية وموثوقيتها، ويحد من النزاعات.

صورة(5)
شهد القضاء التجاري خلال السنوات الماضية تطورًا كبيرًا على مستوى التخصص والإجراءات.. كيف انعكس ذلك على جودة الأحكام وسرعة الفصل في القضايا، وما دلالة النمو الكبير في القضايا التجارية على تطور البيئة الاقتصادية والاستثمارية في المملكة؟
التخصص القضائي في المحاكم التجارية أسهم في بناء فهم أعمق لطبيعة التعاملات التجارية والمالية؛ وهو ما انعكس على جودة الأحكام، ورفع كفاءة المخرجات القضائية، وتعزيز قابلية التنبؤ بالأحكام واستقرارها.
كما أسهمت الإجراءات الرقمية، وتطوير المسارات القضائية، ورفع كفاءة إدارة القضايا، في تقليص مدد التقاضي وتسريع الفصل في المنازعات التجارية، بما يعزز الثقة في البيئة التجارية والاستثمارية.
وخلال عام 2025 صدر أكثر من 97.6 ألف حكم تجاري، بارتفاع بلغ 32 % مقارنة بعام 2024، فيما بلغ متوسط عدد الجلسات للقضية المغلقة جلستين فقط؛ وهو ما يعكس التحسن في كفاءة الإجراءات وسرعة الإنجاز.
كما باشرت المحاكم التجارية منذ تأسيسها ما يقارب 500 ألف قضية، وهذه الأرقام لا تعكس فقط حجم النشاط الاقتصادي وتنوع التعاملات التجارية في المملكة، بل تعكس كذلك ثقة المستثمرين والمتعاملين بوجود قضاء تجاري متخصص وفاعل يمتلك القدرة على معالجة النزاعات بكفاءة وموثوقية.
فكلما كانت المنظومة القضائية أكثر وضوحًا وسرعة واستقرارًا، زادت موثوقية البيئة الاستثمارية، وارتفعت قدرة السوق على النمو واستقطاب الأعمال والاستثمارات.

صورة
يشهد العالم تطورًا متسارعًا في مجالات الأصول الرقمية والذكاء الاصطناعي.. ما أثر هذه التحولات في مستقبل المنظومة العدلية، وما توجه الوزارة في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات والإجراءات العدلية؟
تشهد المنظومة العدلية -كغيرها من القطاعات- تطورات متسارعة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأصول الرقمية، وهذه التحولات ستنعكس على طبيعة العلاقات والتعاملات، وستنتج أنماطًا جديدة من النزاعات والتحديات القانونية، ما يتطلب جاهزية تشريعية وتنظيمية وقضائية قادرة على مواكبة هذا التطور بكفاءة ومرونة.
وفي المقابل، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة مهمة لتطوير المنظومة العدلية نفسها، ليس فقط على مستوى الخدمات، بل في رفع كفاءة الإجراءات، وتعزيز جودة المخرجات، ودعم سرعة الإنجاز، والاستفادة من البيانات في بناء نماذج عمل أكثر كفاءة واستباقية.

صورة(6)
والمرحلة القادمة في المنظومة العدلية لا تقوم على مجرد التوسع في الخدمات الرقمية، بل على تعظيم أثرها وجودة نتائجها؛ فالتحول الرقمي كان مرحلة تأسيس، أما اليوم فالتركيز على تطوير رحلة المستفيد، ورفع موثوقية الإجراءات، وتعزيز جودة العدالة وكفاءة الوصول للحقوق، والانتقال من النماذج الإجرائية التقليدية إلى نماذج أكثر استباقية وارتباطًا بالبيانات وجودة القرار.
وفي هذا الإطار تعمل الوزارة على عدد من المسارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خصوصًا في الجوانب العدلية ذات الكثافة الإجرائية العالية، بما في ذلك التنفيذ، عبر تطوير نماذج تسهم في رفع كفاءة الإجراءات، وتحسين تحليل البيانات، ودعم سرعة الإنجاز، مع بقاء الدور المحوري للقاضي في تقدير الوقائع وتطبيق الأنظمة.
كما أن التوجه المستقبلي لا يقتصر على معالجة النزاع بعد وقوعه، بل يمتد إلى بناء نماذج أكثر وضوحًا واستباقية تقلل من احتمالية نشوء النزاعات من الأساس، وتعزز الاستقرار في التعاملات والعقود.






