وإلى نص الحوار:
كيف تقيّمون مستوى التحول الرقمي في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية على المستويين المحلي والعالمي؟
أصبح التحول الرقمي خلال العقد الماضي أحد أبرز المحركات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الصيرفة الإسلامية.
وتشير النسخة العاشرة من الاستبيان العالمي للمصرفيين الإسلاميين، الصادر عن المجلس العام، إلى أن تكنولوجيا المعلومات حافظت منذ عام 2015 على موقع متقدم ضمن أبرز اهتمامات قيادات البنوك الإسلامية.
تقدم نتائج الاستبيان صورة أكثر تفصيلاً عن واقع التطبيق، فلا يزال عديد من البنوك الإسلامية يعتمد على الخوادم المحلية ومستودعات البيانات التقليدية، كما تظل الأدوات الأساسية، مثل إكسل (Excel) وإس كيو إل (SQL)، الأكثر استخداما في العمليات اليومية، مقابل انتشار أقل للمنصات السحابية والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وفي هذا الإطار، أفاد 38% فقط من المشاركين في الاستبيان بأن مؤسساتهم تعمل بشكل فعلي على دمج الذكاء الاصطناعي مع تحليل البيانات، وتوضح هذه النتائج أن مستوى الوعي والطموح الإستراتيجي مرتفع، إلا أن التطبيق الفعلي لا يزال في مراحله الأولى لدى شريحة واسعة من القطاع.
هل تختلف وتيرة التحول الرقمي بين أسواق الصيرفة الإسلامية المختلفة؟
بالتأكيد، وتؤكد نتائج الاستبيان وجود تفاوت واضح في وتيرة التحول الرقمي بين المناطق، نتيجة اختلاف الظروف الاقتصادية، والأطر التنظيمية والرقابية، ومستوى تطور البنية التحتية، وطبيعة المنافسة في كل سوق.
ففي دول مجلس التعاون الخليجي، تأتي تكنولوجيا المعلومات ضمن أبرز أولويات البنوك، بالتوازي مع استثمارات كبيرة في الابتكار الرقمي، ورفع الكفاءة التشغيلية، وتعزيز الأمن السيبراني.
كما تسهم إستراتيجيات التنويع الاقتصادي على المستوى الوطني في دعم التوجهات الرقمية للمؤسسات المالية، إلى جانب ما تتمتع به البنوك في المنطقة من إمكانات وتركيز إستراتيجي يدعمان التوسع في تبني التقنيات المتقدمة.
وفي جنوب شرق آسيا، نشهد أيضاً مستويات متقدمة من التحول الرقمي، حيث تركز البنوك على رقمنة منتجاتها بصورة متكاملة، والاستفادة من استخراج البيانات وتحليلها لاستقطاب العملاء الأكثر إلماماً بالتكنولوجيا.
وفي هذه الأسواق، أصبحت القدرة على تبسيط المنتجات، وتقديمها رقمياً، وتحليل البيانات بصورة فعالة وفي الوقت المناسب، من العوامل المهمة في جذب العملاء والمحافظة عليهم.
أما في إفريقيا جنوب الصحراء، فتتركز الأولوية بصورة أكبر على توظيف التكنولوجيا للتغلب على تحديات البنية التحتية وتعزيز الشمول المالي. ولذلك، ينصب التركيز في هذه الأسواق على بناء القدرات والبنية الرقمية الأساسية كخطوة أولى، قبل الانتقال إلى تطبيقات وتقنيات أكثر تقدما.
وفي شمال إفريقيا، تتجه البنوك إلى تحديث بنيتها التحتية التقنية بهدف تطوير مستوى الخدمات وتعزيز قدرتها التنافسية، فيما تشير بعض النتائج إلى مستويات أعلى من المتوقع في تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه، تسجل المنطقة مستوى أكبر من الاهتمام بالتحديات المرتبطة بالتطبيق، ولا سيما ما يتعلق بالامتثال لأحكام الشريعة الإسلامية والاعتبارات الأخلاقية.
أما دول الشرق الأوسط خارج مجلس التعاون الخليجي، فتواجه مجموعة مختلفة من التحديات، حيث تؤثر حالة عدم الاستقرار السياسي والتقلبات الاقتصادية في بعض الأسواق على فرص الاستثمار والقدرة على تنفيذ إستراتيجيات قائمة على التكنولوجيا ولذلك، تركز بعض البنوك في هذه الأسواق على التعامل مع الأولويات التشغيلية الأكثر إلحاحاً، مع استمرار إدراكها لأهمية المضي في مسار التحول الرقمي.
وتؤكد هذه الاختلافات الإقليمية أهمية تبني إستراتيجيات تراعي خصوصية كل سوق واحتياجاتها، بدل من تطبيق نموذج موحد للتحول الرقمي.
ما أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية؟
تتركز أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي بدأت البنوك الإسلامية في استخدامها فعليا في تقييم المخاطر، وأتمتة العمليات، ومراقبة الامتثال، تليها تطبيقات الكشف عن الاحتيال والتقييم الائتماني. وفي المقابل، لا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات تحليل الاستثمارات وأتمتة التسويق ضمن المستويات الأقل انتشاراً في الوقت الحالي.
وعلى الرغم من الاهتمام الواسع الذي تحظى به نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن التأثير العملي الأكبر حتى الآن يظهر في مجالات أخرى. فبينما بدأت بعض البنوك في استخدام روبوتات المحادثة والمساعدين الافتراضيين في الخدمات الأساسية الموجهة للعملاء، تبرز الاستخدامات الأكثر تأثيراً في العمليات الداخلية، ولا سيما في إجراءات اعرف عميلك (KYC)، ومكافحة غسل الأموال (AML)، ومكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، والكشف عن عمليات الاحتيال. وتستفيد هذه المجالات بشكل مباشر من قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة كميات كبيرة من البيانات، وتصنيف العملاء والمعاملات، واكتشاف الأنماط والمؤشرات ذات الصلة بسرعة وكفاءة.
وبصورة أوسع، يتركز استخدام تحليلات البيانات بشكل أكبر في مجالي تكنولوجيا المعلومات والمالية، بينما لا يزال استخدامها في تطوير المنتجات والتسويق عند مستويات أقل نسبياً. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل ما توفره البيانات الضخمة من إمكانات لفهم احتياجات العملاء بصورة أدق، وتقديم المنتجات والخدمات بما يتناسب مع خصائصهم واحتياجاتهم.
وقد بدأت بعض البنوك بالفعل في تحقيق نتائج ملموسة من هذه التطبيقات، فقد طبقت إحدى المؤسسات نموذجا للتحليلات التنبؤية يعتمد على التعلم الآلي لتحديد مخاطر الائتمان المحتملة، وأسهم ذلك في خفض التسهيلات غير المنتظمة بنسبة 25% وتحسين الجودة الإجمالية للمحفظة، كما استخدمت مؤسسة أخرى الذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة أجهزة الصراف الآلي، بما أسهم في تقليل النقد غير المستخدم، وأتمتة العمليات، وتحسين تجربة العملاء.
ومع ذلك، لا تزال هذه التطبيقات في مراحلها الأولى على مستوى القطاع كله، إذ لم تتبن شريحة كبيرة من المؤسسات تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة متكاملة حتى الآن.
وتشير نتائج الاستبيان العالمي للمصرفيين الإسلاميين 2025 إلى أن مستوى التبني لدى البنوك الإسلامية لا يزال أقل مقارنة بنظيراتها في الأسواق المتقدمة، حيث تستخدم أكثر من 75% من البنوك الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين تجربة العملاء ودعم تطوير المنتجات والخدمات المالية؟
يمتلك الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة لإحداث تحول في أساليب تفاعل البنوك الإسلامية مع عملائها وتطوير منتجاتها وخدماتها وقد أظهرت نتائج الاستبيان العالمي أن تحسين تجربة العملاء يعد من أبرز المجالات ذات الأهمية الإستراتيجية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث رأى نحو 76% من المشاركين أنه يحظى بأهمية كبيرة أو بالغة الأهمية.
وفي مجال تجربة العملاء، يتيح الذكاء الاصطناعي تقديم خدمات مالية أكثر تخصيصاً من خلال تحليل بيانات العملاء وفهم سلوكياتهم واحتياجاتهم، إذ وبدلاً من تقديم منتجات موحدة، يمكن للبنوك تصميم حلول تتناسب بصورة أفضل مع احتياجات كل عميل وتفضيلاته. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الصيرفة الإسلامية، حيث يبحث العملاء عن منتجات تلبي أهدافهم المالية وتتوافق في الوقت ذاته مع قيمهم ومبادئهم. كما تسهم روبوتات المحادثة والمساعدات الافتراضية، التي تُعد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأكثر انتشاراً، في توفير الدعم المستمر للعملاء وتعزيز سهولة الوصول إلى الخدمات وسرعة الاستجابة.
كيف يؤثر التوسع في الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي على مخاطر الأمن السيبراني؟
نرى أن مخاطر الأمن السيبراني تتصدر المخاطر التشغيلية التي تواجه البنوك الإسلامية على المستوى العالمي، كما جاءت ضمن أبرز 3 مخاطر في جميع المناطق التي شملها الاستبيان، من دول مجلس التعاون الخليجي إلى إفريقيا جنوب الصحراء.
ويمثل ذلك تحولا ملحوظا فمنذ قياس مخاطر الأمن السيبراني بصورة مستقلة للمرة الأولى في 2019، سرعان ما برزت ضمن أهم المخاطر، وظلت عند مستويات مرتفعة منذ ذلك الحين.
ويرتبط هذا التطور بصورة مباشرة بتسارع وتيرة التحول الرقمي، فمع توسع البنوك في تقديم الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، وتبني الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومعالجة كميات متزايدة من البيانات الحساسة، يزداد في المقابل تعرضها للتهديدات السيبرانية، فكلما توسع الاعتماد على التقنيات والقنوات الرقمية، ازدادت الحاجة إلى حماية الأنظمة والبيانات من المخاطر والتهديدات المحتملة.
ما أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات المالية الإسلامية في حماية بيانات العملاء؟
تواجه المؤسسات المالية الإسلامية مجموعة من التحديات المتعددة والمترابطة في مجال حماية بيانات العملاء.
أولاً، تحديات البنية التحتية للبيانات فلا يزال عديد من البنوك الإسلامية يعتمد على الخوادم المحلية ومستودعات البيانات التقليدية، ما يؤدي في بعض الحالات إلى توزيع البيانات على أنظمة منفصلة يصعب ربطها وتحليلها بصورة متكاملة. كما تواجه المؤسسات تحديات تتعلق بقابلية التوسع، وجودة البيانات، وضمان أمنها عبر الأنظمة المختلفة.
ثانياً، التعقيدات التقنية المرتبطة بإدارة كميات كبيرة من البيانات عبر أنظمة وصيغ متعددة، إذ يمكن أن يؤدي تعدد الأنظمة ومصادر البيانات إلى ظهور نقاط ضعف قد تزيد من مخاطر الاختراق أو تسرب البيانات أثناء تخزينها أو معالجتها. ويضاف إلى ذلك تعدد المتطلبات التنظيمية المتعلقة بحوكمة البيانات وحمايتها، بما في ذلك اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) ومعايير أمن بيانات بطاقات الدفع (PCI DSS) وهو ما يزيد من متطلبات الامتثال التي يتعين على المؤسسات مراعاتها.
ثالثاً، التحديات المرتبطة برأس المال البشري إذ تشير عديد من المؤسسات إلى وجود نقص في الكفاءات المتخصصة في الأمن السيبراني وحماية البيانات.
ولا تقتصر هذه المسألة على استقطاب الكفاءات فحسب، بل تمثل تحدياً أوسع يتطلب الاستثمار في التعليم والتدريب والتطوير المهني، على مستوى القطاع والدول على حد سواء.
رابعاً، البيئة التنظيمية والرقابية، التي يمكن أن تمثل عاملاً داعماً وفي الوقت نفسه تفرض بعض القيود. فقد أشار بعض المشاركين إلى أن المتطلبات التنظيمية قد تحد في بعض الحالات من تبني الحلول السحابية أو النماذج الهجينة.
وفي المقابل، لا تزال بعض الأسواق بحاجة إلى أطر قانونية أكثر وضوحاً لتنظيم مشاركة البيانات وحمايتها، والتعامل مع التحيزات المحتملة في الأنظمة المؤتمتة.
كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي في الوظائف والمهارات المطلوبة في قطاع الصيرفة الإسلامية؟
ومن المتوقع أن يتزايد الطلب على المتخصصين في علوم البيانات والأمن السيبراني وهندسة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الكفاءات القادرة على الربط بين الفرق التقنية والمتخصصين في الشريعة، بما يضمن تطوير الحلول التقنية وتطبيقها ضمن متطلبات العمل المصرفي الإسلامي.

