الثلاثاء, 18 أغسطس 2026|4 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

بعد نحو 3 عقود من العمل والدوام والتوقيع والحضور والانصراف، يغلق المتقاعد باب مكتبه ليفتح بابًا آخر في مسقط الرأس. فالتقاعد بالنسبة إلى شريحة متزايدة لم يعد مجرد نهاية للحياة الوظيفية، بل بداية لما يمكن وصفه بـ"الهجرة العكسية"؛ من أبراج الرياض وجدة والدمام إلى القرى والمزارع والمحافظات الصغيرة، حيث الإيقاع أبطأ، والروابط الاجتماعية أكثر حضورًا، وتكاليف المعيشة أقل.

ففي الوقت الذي ارتبطت فيه العقود الماضية بهجرة الشباب من القرى والمحافظات إلى المدن الكبرى بحثًا عن العمل والفرص، بدأت مرحلة جديدة تعيد جزءًا من هذه الفئة إلى مناطقها الأصلية بعد انتهاء رحلتها الوظيفية.

ويرى مختصون في الاقتصاد وعلم الاجتماع، ومتقاعدون اختاروا العودة، تحدثوا لـ"الاقتصادية"، أن الظاهرة تحمل أبعادًا تتجاوز قرار السكن، إذ تجمع بين خفض تكلفة المعيشة للمتقاعد، وإعادة توزيع جزء من الإنفاق نحو المدن والمحافظات الصغيرة، إلى جانب استعادة الروابط الأسرية والاجتماعية التي تراجعت خلال سنوات العمل في المدن الكبرى.

35 % وفرًا في مصروف المتقاعد

يرى الأخصائي الاقتصادي فهد الداود أن المتقاعد في القرية يمكن أن يوفر نحو 35% من مصروفه الشهري، نتيجة انخفاض تكاليف المعيشة مقارنة بالمدن الكبرى مثل الرياض وجدة والمنطقة الشرقية.

وأوضح أن الفارق لا يرتبط بعنصر واحد، وإنما بمجموع النفقات اليومية، وفي مقدمتها السكن والمشتريات والتنقل، ما يجعل الانتقال إلى القرية أو المحافظة الصغيرة فرصة لإعادة ترتيب ميزانية المتقاعد بما يتناسب مع دخله الثابت.

ومع ثبات الراتب التقاعدي في كثير من الحالات، يصبح خفض المصروف أحد أهم أدوات الحفاظ على القوة الشرائية بعد انتهاء الدخل الوظيفي، وهو ما يحول التقاعد من مرحلة قد ترتفع فيها الضغوط المالية إلى فرصة لتحسين نمط الحياة وتقليل الالتزامات.

المدينة ترفع التكلفة .. والقرية تعيد توزيع الدخل

تبرز تكلفة السكن بوصفها أحد أبرز الفوارق بين الحياة في المدن الكبرى والمحافظات الصغيرة، إلى جانب تكاليف الوقود والتنقل والمشتريات اليومية.

ويقول متقاعدون عادوا إلى مناطقهم الأصلية إن انخفاض هذه النفقات يمنحهم مساحة مالية أكبر، ويجعل المعاش التقاعدي أكثر قدرة على تغطية احتياجاتهم، خصوصًا بعد انتهاء الالتزامات المرتبطة بالعمل اليومي.

ولا يقتصر الأثر الاقتصادي على المتقاعد نفسه، إذ إن انتقال جزء من الإنفاق من المدن الكبرى إلى المحافظات والقرى يعني إعادة تدوير الدخل داخل اقتصادات محلية أصغر، عبر الإنفاق على المتاجر والخدمات والمزارع والأنشطة المحلية.

التقاعد يعيد المتقاعد إلى جذوره

من الجانب الاجتماعي، تؤكد بشرى آل إبراهيم، الأخصائية الاجتماعية، أن عددًا من المدن الصغيرة والمحافظات السعودية يشهد عودة متزايدة للمتقاعدين بعد سنوات طويلة من العمل في المدن الكبيرة، بهدف تحقيق جودة حياة أعلى والاستفادة من انخفاض تكاليف المعيشة.

وقالت إن التقاعد يمثل نقطة تحول في حياة الفرد، إذ يشعر كثير من المتقاعدين بعد سنوات العمل بضغط المدينة وضجيجها وزحامها، فيختارون العودة إلى المحافظات الصغيرة ومسقط الرأس بحثًا عن الهدوء واستعادة العلاقات الأسرية التي تباعدت خلال سنوات العمل.

وترى أن العودة لا تعني فقط تغيير العنوان السكني، وإنما استعادة شبكة اجتماعية كانت جزءًا من حياة المتقاعد قبل انتقاله إلى المدينة، خصوصًا في المناطق التي لا تزال فيها الأسرة الممتدة والمجتمع المحلي أكثر حضورًا.

30 عامًا من العمل تنتهي بالعودة إلى المجمعة

 اختار إبراهيم الناصر، أحد المتقاعدين، مسقط رأسه المجمعة شمال الرياض، للاستقرار فيها بعد مسيرة عمل قاربت 30 عامًا.

ويؤكد الناصر أن العودة إلى المحافظة بعد التقاعد ليست هروبًا من المدينة، وإنما اختيار واعٍ لنمط حياة مختلف، مبني على العودة إلى الجذور والاستقرار في مجتمع يعرفه ويعرفه أفراده.

ويشير إلى أن العودة تمنحه إحساسًا أكبر بالانتماء إلى محيطه الاجتماعي، فضلًا عن الاستفادة من وجود الأسرة الممتدة، التي يرى فيها عنصرًا مهمًا في مرحلة ما بعد التقاعد.

35 عامًا في الرياض .. والراتب يكفي في القرية

التجربة ذاتها عاشها أحمد الحامد، أحد المتقاعدين الذين عادوا من الرياض إلى قرية في القصيم بعد نحو 35 عامًا من العمل في العاصمة.

وقال الحامد إن سنوات العمل الطويلة في الرياض جعلته يشعر بإرهاق الزحام وارتفاع التكاليف، موضحًا أن راتبه التقاعدي أصبح كافيًا في القرية، بل يستطيع الادخار منه، بعدما كانت نسبة كبيرة من دخله في المدينة تذهب إلى الإيجار والوقود.

ويؤكد أن دوافع العودة تختلف من شخص إلى آخر؛ فهناك من يبحث عن الهدوء والراحة، وهناك من تحركه اعتبارات اقتصادية تتعلق بانخفاض تكاليف المعيشة، فيما يجمع آخرون بين العاملين.

600 ألف مستفيد من معاشات التقاعد

تأتي هذه التحولات في ظل قاعدة واسعة من المتقاعدين والمستفيدين من المعاشات التقاعدية في السعودية، إذ بلغ إجمالي عدد المستفيدين والمتقاعدين الذين تصرف لهم رواتب ومعاشات تقاعدية نحو 593,604 أفراد، وفق الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.

ويمثل هذا العدد قاعدة سكانية واقتصادية مهمة، يمكن أن يكون لتغير أنماط سكنها أثر على اقتصادات المدن والمحافظات، خصوصًا إذا تحول جزء من المتقاعدين إلى الاستقرار طويل الأمد في مناطقهم الأصلية.

التقاعد .. انتقال من اقتصاد الوظيفة إلى اقتصاد الحياة

تنص منظومة التأمينات الاجتماعية على صرف المعاش التقاعدي عند توافر الشروط النظامية عند ترك العمل بسبب التقاعد أو العجز أو غيرهما من الحالات، بينما يستمر الصرف للمستحقين في حال وفاة المشترك وفق الأحكام المنظمة لذلك.

ويشترط لاستحقاق معاش التقاعد، بحسب النظام المشار إليه، توقف المشترك عن ممارسة العمل الخاضع للاشتراك الإلزامي أو الاختياري بحسب حالته، فيما يحق للمشترك الذي لم يبلغ سن الستين طلب صرف معاش التقاعد عند بلوغ مدة اشتراكه 300 شهر على الأقل، وفق الشروط النظامية.

ومع انتقال الفرد من اقتصاد الوظيفة إلى اقتصاد المعاش، تتغير أولوياته أيضًا؛ فبعد أن كان القرب من مقر العمل عاملًا رئيسيًا في اختيار السكن، تصبح تكلفة الحياة وجودة البيئة الاجتماعية والقرب من الأسرة عناصر أكثر أهمية.

عودة المتقاعدين .. مكسب اقتصادي واجتماعي

تشير تجارب المتقاعدين إلى أن العودة إلى القرى والمحافظات الصغيرة قد تمثل نموذجًا لإعادة توزيع السكان والدخل بعد انتهاء الحياة الوظيفية، إذ تخفف من بعض أعباء المعيشة في المدن الكبرى، وفي الوقت ذاته تضخ إنفاقًا جديدًا في اقتصادات محلية كانت قد فقدت جزءًا من سكانها لصالح المدن.

لكن هذه العودة تضع في المقابل تحديات أمام القرى والمحافظات، أبرزها الحاجة إلى توفير خدمات صحية واجتماعية مناسبة لكبار السن، إلى جانب الخدمات الأساسية والأنشطة التي تجعل الاستقرار فيها خيارًا مستدامًا وليس مجرد قرار مرتبط بانخفاض التكلفة.

وبذلك، لا تبدو "الهجرة العكسية" للمتقاعدين مجرد عودة عاطفية إلى المكان الأول، بل تحولًا في طريقة توزيع الدخل والسكان بين المدن الكبرى والمناطق الأصغر. فالمتقاعد الذي يغادر المدينة لا يأخذ معه معاشه فقط، وإنما ينقل جزءًا من إنفاقه واستهلاكه وعلاقاته إلى مجتمعه الأصلي، لتتحول القرية من محطة للماضي إلى خيار جديد للحياة بعد التقاعد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية