صنع كأس العالم 2026 موسما غير مسبوق لدور السينما السعودية، فبدلا من التنافس على أحدث الإصدارات السينمائية، تحولت الشاشات العملاقة إلى وجهة لعشاق كرة القدم، بعدما سجلت عروض المباريات 67,904 تذكرة منذ انطلاق البطولة، في مؤشر على أن دور السينما تمتلك فرصة لتوسيع نشاطها إلى ما هو أبعد من عرض الأفلام.
ولا تبدو هذه الأرقام مجرد نجاح مؤقت ارتبط بزخم كأس العالم، وإنما اختبار عملي لنموذج ترفيهي بدأت تتبناه أسواق عالمية منذ سنوات تحت مسمى (Event Cinema)، أي تحويل قاعات السينما إلى منصات تستضيف البث المباشر للأحداث الرياضية والحفلات الموسيقية والعروض المسرحية. ويقوم هذا النموذج على استغلال البنية التقنية المتقدمة لدور العرض طوال العام، بدلا من ربط إيراداتها بمواسم الأفلام وحدها.
اقتصاديا، يفتح هذا النموذج بابا جديدا أمام مشغلي دور السينما. فبدل أن تبقى القاعات مرتبطة بجدول إصدارات الأفلام فقط، يمكن تشغيلها خلال الأحداث العالمية التي تمتلك قاعدة جماهيرية ضخمة، وهو ما يرفع نسب الإشغال ويزيد من مبيعات المأكولات والمشروبات، ويحقق استفادة أكبر من البنية التحتية الموجودة أصلا دون الحاجة إلى استثمارات إنشائية إضافية.
وتزداد أهمية هذه النتائج بالنظر إلى مواعيد العروض، إذ أقيمت معظم المباريات في ساعات متأخرة من الليل، ومع ذلك حافظت القاعات على معدلات حضور لافتة طوال البطولة.
ويعكس ذلك أن تجربة مشاهدة كأس العالم في السينما قدمت تجربة جماعية مختلفة عن المشاهدة المنزلية أو حتى المقاهي الرياضية.
وامتلأت القاعات بالمشجعين الذين ارتدوا قمصان منتخباتهم المفضلة، وتعالت الهتافات مع كل هدف، بينما عاش الحضور لحظات الترقب والانفعال بصورة جماعية جعلت أجواء القاعة أقرب إلى المدرجات منها إلى صالة سينمائية.
وفي ظل تنامي المنافسة مع منصات البث الرقمي، تبدو هذه التجارب أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن ما تقدمه دور السينما لم يعد يقتصر على المحتوى نفسه، بل على التجربة الجماعية؛ الإحساس بالمشاركة، والتفاعل مع الجمهور، والانفعال اللحظي، وهي عناصر يصعب أن توفرها المشاهدة الفردية مهما تطورت تقنيات البث المنزلي.


