أصبح فيلم «الأوديسة» أضخم إنتاج في مسيرة المخرج الأوسكاري كريستوفر نولان، بميزانية تقدر بنحو 250 مليون دولار، كما يشكل أول أعماله المستوحاه من الميثولوجيا الإغريقية بعد أكثر من 25 عامًا أمضاها في إعادة تعريف أفلام الخيال العلمي والإثارة النفسية.
نولان الذي خرج من فيلم «Oppenheimer» في 2023 بأكبر انتصار في مسيرته؛ لم يبحث عن مشروع يضمن فيه تكرار النجاح، إنما قرر أن يختبر قدراته الفنية من خلال فيلم "الأوديسة" ببناء عالم يتحدى حدود التنفيذ السينمائي.
الفيلم الذي حضرت "الاقتصادية" عرضه الحصري قبل إطلاقه في السعودية، يستند إلى أحداث ملحمة كتبها الشاعر الإغريقي هوميروس قبل نحو 3 آلاف عام، إحدى أقدم وأشهر الأعمال الأدبية في التاريخ، ولا تزال حتى اليوم من أكثر النصوص تأثيرًا في الأدب العالمي، وهو ما يجعل تحويلها إلى فيلم معاصر يحافظ على جوهرها تحديًا إبداعيًا استثنائيًا.
مواقع تصوير وديكورات حقيقية
ورغم أن القصة تعج بالأساطير الإغريقية والظواهر الخارقة، فإن الفريق الفني استطاع أن يمنح هذا العالم ملمسًا واقعيًا قدر الإمكان. فبدل بناء معظم مشاهده داخل استوديوهات تعتمد على الشاشات الخضراء، اتجه إلى تشييد مواقع تصوير وديكورات حقيقية، حتى شخصية العملاق بوليفيموس لم يكن مجرد نموذج مصنوع بالحاسوب، بل جاء نتيجة دمج الدمى الميكانيكية، بينما صورت رحلة أوديسيوس على متن سفينة خشبية حقيقية وسط البحر، في خطوة تعكس إصرار الفيلم على منح الخيال ملمسًا واقعيًا. لهذا لا تبدو الأساطير منفصلة عن العالم المحيط بها، وإنما تنبض بواقعية تجعلها أكثر رهبة وإقناعًا.
محطة تاريخية في التصوير السينمائي
كما يمثل الفيلم محطة تاريخية في تقنيات التصوير السينمائي، لكونه أول فيلم يصور بالكامل بكاميرات IMAX 70mm، بعدما طورت آيماكس جيلًا جديدًا من الكاميرات لتلبية متطلبات كريستوفر نولان. إذ استخدم فريق الإنتاج أكثر من مليوني قدم من الشريط مقاس 70 ملم خلال التصوير، في واحدة من أكبر عمليات التصوير بهذا النوع من الأفلام، ما يعكس الطموح التقني الهائل للمشروع وحجم التحدي الذي رافق تنفيذه.
المفاجأة الأكبر تكمن في طريقة السرد. فعلى امتداد مسيرته، ارتبط فيها اسم نولان بالسرد غير الخطي والتشابك الزمني، إذ جاءت «الأوديسة» أكثر أفلامه مباشرة من حيث البناء. تسير الأحداث بتسلسل واضح، تاركة المجال للمضي بالرحلة دون الحاجة إلى تركيب زمني معقد. والنتيجة إيقاع متزن، يسهل الانغماس فيها منذ اللحظة الأولى.

matt-damon-the-odyssey-021725-1-33088753391b490b9dddc2ed4beeb46b
ومن أكثر القرارات الفنية إثارة للاهتمام أن الفيلم يكاد يخلو من الأغاني، رغم أن الملحمة في أصلها قصيدة شعرية كانت تروى شفهيًا بالإنشاد. كان من المتوقع أن يستثمر هذا الإرث الموسيقي، لكن نولان فضل الإكتفاء بالموسيقى التصويرية، تاركًا الصورة والحوار تحمل العبء الأكبر في صناعة المشاعر.
أما التمثيل، فيعد أحد أبرز عناصر قوة الفيلم. التخوفات التي صاحبت الإعلان عن بعض اختيارات الممثلين تتلاشى سريعًا مع تطور الأحداث، إذ ينجح الطاقم في تقديم شخصيات يصعب تخيلها بوجوه أخرى، ويحقق توازنًا نادرًا في فيلم يضم هذا العدد الكبير من النجوم دون أن يطغى أحدهم على الآخر.
موسيقى تصويرية دون التوقعات
إذا كان هناك عنصر لم يواكب المستوى الاستثنائي الذي يقدمه الفيلم، فهو الموسيقى التصويرية. كانت التوقعات مرتفعة للغاية بعد أن حصد لودفيغ غورانسون الأوسكار عن «Oppenheimer» ثم «Sinners»، إلا أن ألحانه هنا، رغم جودتها وخدمتها الممتازة للأحداث، لا تمنح الفيلم تلك الهوية اللحنية التي تعلق في الذاكرة. بخلاف أغنية شارة النهاية، التي تختتم الرحلة بنبرة مؤثرة وتترك الانطباع الأقوى موسيقيًا في الفيلم بأكمله.
في المحصلة، ينجح نولان في إعادة تقديم «الأوديسة» لجيل جديد لم يقرأ الملحمة الأصلية أو لم يقترب منها من قبل، عبر تحويلها من نص أدبي قديم إلى تجربة سينمائية متكاملة. فقد جمع بين الواقعية في التنفيذ، والجمالية البصرية، والسرد المباشر، ليمنح واحدة من أقدم قصص التاريخ حياة جديدة بلغة يفهمها جمهور اليوم.



