الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026|15 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تحتفظ بعض دور السينما في العالم العربي بمكانتها بعد عقود من افتتاحها، لتقدم نماذج حية لقدرة الأصول الثقافية على الاستمرار اقتصاديًا، في ظل تغير عادات المشاهدة، وانتشار منصات البث، وتوسع المجمعات التجارية متعددة الشاشات. وبينما فقدت دور سينما تاريخية نشاطها أو تحولت مبانيها إلى استخدامات أخرى، نجحت صالات أخرى في الحفاظ على وظيفتها السينمائية، مستفيدة من ترميم المباني، وتطوير برامج العرض، وربط مشاهدة الأفلام بالتجربة الثقافية للمدينة.

"الكازار" من مسرح إلى السينما

تأسس مبنى «الكازار» في طنجة المغربية عام 1913 ليكون مسرحًا، قبل أن يتحول إلى دار سينما عام 1917، ليصبح من أقدم مباني العرض السينمائي التاريخية في العالم العربي. وبعد إغلاقه عام 1993 نتيجة تراجع النشاط وتهالك المبنى، أُعيد تأهيله وافتُتح مجددًا في مارس 2022، بميزانية بلغت نحو 8 ملايين درهم مغربي.

واستند نموذج تشغيله الجديد إلى الجمع بين عرض الأفلام والحفاظ على الذاكرة السينمائية وتنظيم الأنشطة التعليمية، مع إسناد إدارته إلى جمعية «طنجة أفلام» الثقافية. وامتد نشاط الصالة إلى المدارس؛ إذ سجل برنامج «المدرسة في السينما» 24 عرضًا مصحوبًا بنقاشات خلال عام 2025، بمشاركة 1,597 طالبًا.

وكان الهدف المعلن من إعادة التأهيل تحويل «الكازار» إلى سينما قريبة من سكان المدينة القديمة، خصوصًا الشباب. ويحمل هذا التوجه أهمية اقتصادية، إذ يستهدف بناء قاعدة من الجمهور المحلي القادر على تكرار الزيارة، بما يعزز فرص استدامة النشاط.

Screenshot 2026-10-27 102320

«ديانا بالاس».. سينما الحياة التجارية في القاهرة

تُعد سينما «ديانا بالاس» من أقدم دور العرض التي لا تزال تقدم الأفلام في القاهرة عاصمة مصر. وتشير مراجع تاريخية إلى تأسيسها عام 1930، فيما تذكر مصادر أخرى عام 1932. وقد تعرضت للتدمير خلال أحداث عام 1952، قبل أن يُعاد بناؤها وتستأنف نشاطها في ستينيات القرن الماضي، لتواصل عرض الأفلام حتى اليوم.

ويمتد حضور سينما «ديانا» في وسط القاهرة إلى النشاط التجاري المحيط بها؛ إذ يُقام بجوارها كل يوم سبت «سوق ديانا»، الذي اكتسب اسمه من السينما، ويستقطب المهتمين بالتحف والأنتيكات والكتب والمجلات والعملات والمقتنيات القديمة. ويعكس هذا الارتباط امتداد هوية السينما إلى الحياة اليومية للمدينة، عبر نشاط أسبوعي يجذب الزوار حتى خارج أوقات عروض الأفلام.

Picture1

وتكشف صورة تذكرة قديمة لسينما «ديانا بالاس» عن جانب من اقتصاد دور العرض في القاهرة خلال القرن العشرين؛ إذ توثق عرض فيلم «الديكتاتور العظيم» (The Great Dictator) لتشارلي تشابلن، عند الساعة 3:15 عصرًا، بسعر أساسي بلغ 6 قروش، إضافة إلى رسوم حكومية بقيمة قرشين ورسم للهلال الأحمر بنصف قرش، ليصل إجمالي السعر إلى 7.5 قروش. وتوضح هذه التفاصيل كيف يمكن للتذاكر القديمة أن تشكل وثائق تاريخية لفهم آليات تسعير خدمات دور السينما والرسوم المرتبطة بها.

Screenshot 2026-10-27 103149

«الكوليزيه».. الصيانة المتواصلة

تأسست سينما «الكوليزيه» (Le Colisée) عام 1932، وأصبحت واحدة من أبرز دور العرض في قلب العاصمة التونسية. وارتبط تاريخها بالمشهد السينمائي التونسي، كما استضافت فعاليات مرتبطة بمهرجان أيام قرطاج السينمائية، الذي انطلقت دورته الأولى عام 1966.

وتكتسب تجربة السينما أهمية اقتصادية من استمرار نشاطها في مبنى يعود إلى ما يقارب قرنًا من الزمن، في وقت تراجعت فيه أعداد من الصالات التقليدية في تونس. فالحفاظ على دار عرض تاريخية يتطلب إنفاقًا دوريًا على الصيانة وتجديد التجهيزات والالتزام بمتطلبات السلامة، إلى جانب تغطية تكاليف التشغيل اليومية.

وتشير إفادة منشورة عن إدارة الصالة إلى تنفيذ أعمال صيانة سنوية للمحافظة عليها، فضلًا عن الدور الذي أداه الدعم المقدم من مهرجان أيام قرطاج السينمائية. وتبرز هذه التجربة أهمية الشراكات الثقافية في دعم الأصول التاريخية، خصوصًا عندما تتجاوز قيمتها وظيفتها التجارية المباشرة لتشمل أبعادًا ثقافية وتراثية.

Screenshot 2026-10-27 103558

«سينما الريف».. نموذج يجمع العرض السينمائي بالنشاط الثقافي

يقع مبنى «سينما الريف» في ساحة 9 أبريل في طنجة المغربية، ويتميز بطرازه المعماري المستوحى من فن الآرت ديكو. وبعد تراجع نشاطه واقترابه من الإغلاق في منتصف العقد الأول من الألفية، دخل مرحلة جديدة تحت إدارة مؤسسة سينماتيك طنجة.

وتقدم السينما نموذجًا مختلفًا عن دور العرض التجارية التقليدية؛ إذ تجمع بين عرض الأفلام والأنشطة الثقافية، وتستفيد من أرشيف سينمائي وبرامج متخصصة، إلى جانب مقهى يتيح للزوار مساحة للاجتماع والتفاعل خارج قاعة العرض. ويمنحها هذا التوجه قاعدة جماهيرية تتجاوز الباحثين عن أحدث الإنتاجات التجارية، ويساعدها على بناء هوية مرتبطة بالسينما الفنية والثقافة البصرية.

كما أسهم ترميم الواجهة والصالة في إعادة جذب الزوار، مع الحفاظ على القيمة المعمارية للمبنى وتطوير مرافقه لتلبية احتياجات الجمهور. ويعزز هذا النهج فرص تحقيق التوازن بين الرسالة الثقافية للسينما ومتطلبات تشغيلها واستدامتها المالية.

كيف تضمن دور السينما التاريخية استمرارها؟

تظهر هذه التجارب أن استمرار دور السينما لعقود لا يعتمد على عامل واحد، بل على مجموعة من العناصر التي تتداخل فيها الإدارة الفنية والظروف الاقتصادية للمدينة. ويمكن تلخيص أبرز عوامل الاستدامة في ثلاثة محاور رئيسة:

أولًا: تحديث التجهيزات الفنية. يحتاج الجمهور إلى جودة للصورة والصوت ومستوى من الراحة يقترب مما توفره دور العرض الحديثة. ويستلزم ذلك صيانة أجهزة العرض وتحديث أنظمة الصوت والتكييف والمقاعد، مع الحفاظ على العناصر المعمارية التي تمنح المبنى قيمته التاريخية.

ثانيًا: تنويع البرامج. يمكن للعروض الخاصة والمهرجانات والفعاليات الثقافية توسيع قاعدة الجمهور، بما يتيح للصالة بناء هوية مميزة بدلًا من الاعتماد الكامل على المنافسة في عرض الأفلام التجارية. كما تساعد هذه الأنشطة على استقطاب فئات جديدة، وتوسيع نطاق الاستفادة من المبنى خارج أوقات العروض المعتادة.

ثالثًا: بناء شراكات مستدامة. قد تحتاج دور العرض التاريخية إلى التعاون مع الجهات الثقافية والبلديات والقطاع الخاص لتمويل أعمال الترميم والتحديث، خصوصًا عندما تتجاوز تكاليف الصيانة قدرة الإيرادات التشغيلية. وينبغي أن يستند هذا التعاون إلى خطة واضحة توازن بين المحافظة على المبنى وتحقيق الاستدامة المالية، مع تحديد مصادر التمويل وأدوار الشركاء على المدى الطويل.

وفي المحصلة، لا يتطلب الحفاظ على أقدم دور السينما العربية تجميدها عند صورتها التاريخية، بل تطويرها بما يواكب متطلبات المشاهدة الحديثة. ويرتبط نجاحها مستقبلًا بقدرة إداراتها على تحويل قيمتها المعمارية والثقافية إلى تجربة تستحق عودة الجمهور، بالتوازي مع وضع خطط واقعية لتغطية تكاليف الصيانة وتحديث التجهيزات وتنويع مصادر الإيرادات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية