يتجه الفيلم الوثائقي السعودي "عمق" إلى لقاء جمهوره على شاشة السينما يوم بعد غد الخميس، حاملًا معه قصة تتجاوز حدود البحر لتسلط الضوء على واحدة من أكثر المهن ندرة وتعقيدًا في العالم، والمصنفة ضمن المهن عالية المخاطر وعالية العائد، والتي يمارسها عدد محدود من الأشخاص حول العالم، من بينهم السعودي أحمد الجابر.
مخرج الفيلم عبدالرحمن صندقجي يكشف في حوار مع "الاقتصادية" كواليس صناعة هذا الفيلم، والتحديات الإنتاجية واللوجستية التي رافقت العمل لتوثيق الجابر أثناء آداءه لمهامه التي تتطلب مهارة عالية، وكيف وازن بين الطموح الفني ومتطلبات التنفيذ، إلى جانب رؤيته لمستقبل الأفلام الوثائقية السعودية، في ظل النمو المتسارع الذي يشهده القطاع السينمائي.. فإلى نص الحوار:

1
متى التقيت لأول مرة بالغواص أحمد الجابر، وكيف تحولت القصة من مجرد فكرة إلى مشروع وثائقي متكامل؟
تعرفت على الجابر قبل نحو 5 سنوات، في وقت لم يكن يحظى بالشهرة التي يتمتع بها اليوم. ومنذ لقائنا الأول، شعرت أن قصته تمتلك مقومات فيلم وثائقي مختلف. أكثر ما شدني هو العالم الذي يعمل فيه؛ عالم مليء بالتحديات والمخاطر، بدءًا من غرف الضغط والكبسولات وصولًا إلى العمل في أعماق البحر.
هذا النوع من القصص ينسجم مع اهتماماتي كمخرج، إذ تركز معظم أعمالي على البيئات القاسية والمهن عالية المخاطر.. وسبق أن قدمت فيلم «الكهف» الذي يوثق رحلة علماء الأحياء الدقيقة في جمع العينات من الكهوف والمواقع الوعرة، كما قدمت فيلم «جليد» الذي يتناول تجربة أول عربيين سعوديين يخوضان الغوص في القطب الشمالي. لذلك شعرت أن قصة أحمد تمثل امتدادًا طبيعيًا لشغفي بهذا النوع من الأفلام.
احتفظنا بالفكرة لعدة سنوات حتى حصلنا على دعم من مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء" والصندوق الثقافي السعودي ضمن مبادرة إثراء المحتوى العربي، لتنطلق بعدها رحلة إنتاج الفيلم ، الذي استغرق المشروع سنوات من العمل، بدءًا من التطوير والتحضير، مرورًا بالتصوير الذي اكتمل قبل نحو عام، ثم الانتقال إلى مراحل المونتاج، والتسويق، والتوزيع. بالنسبة لي، هذا الفيلم يمثل خلاصة شغفي؛ لأنه يجمع بين قصة إنسانية مؤثرة، وعالم استثنائي، وتحدٍ حقيقي، وهي العناصر التي أحرص دائمًا على تقديمها في أعمالي.
كيف نفذتم مشاهد الغوص في الفيلم، وما الإجراءات التي اتخذتموها لضمان واقعية التجربة وسلامة فريق العمل؟
حرصنا منذ البداية على أن يكون الفيلم واقعيًا إلى أقصى حد، لذلك استبعدنا فكرة التصوير داخل استوديو باستخدام تقنية الكروما، رغم أنها كانت خيارًا أكثر أمانًا وأسهل من الناحية الإنتاجية، وكان هدفي أن يشعر المشاهد بأنه يعيش تجربة حقيقية، لذلك صورنا مشاهد الغوص في بيئتها الفعلية.
جرى التصوير بين السعودية ومصر؛ حيث صُورت بعض المشاهد في الأحساء والرياض، بينما نُفذت جميع مشاهد البحر والسفن وغرف الضغط في مصر باستخدام مواقع وتجهيزات حقيقية.

الغواص الجابر
كما أن الجابر أصر على تنفيذ مشاهد الغوص بنفسه، رغم إمكانية الاستعانة ببديل، وهو ما أضفى على الفيلم قدرًا أكبر من المصداقية. وبطبيعة الحال، رافقت التصوير إجراءات سلامة مشددة، شملت وجود غواص تشبعي محترف إلى جانبه، إضافة إلى مصور متخصص في التصوير تحت الماء، وفريق معتمد ومتخصص في الغوص التشبعي للإشراف على جميع العمليات وضمان تنفيذها بأعلى معايير السلامة.
ما أبرز التحديات التي واجهتكم خلال إنتاج الفيلم، وكيف تعاملتم معها؟
كان هذا الفيلم من أكثر المشاريع التي واجهت فيها تحديات على مختلف المستويات. أولها كان التحدي الإنتاجي، فرغم أن الميزانية كانت جيدة، لكن مقارنة بطبيعة فيلم وثائقي بهذا الحجم تعد محدودة، ما تطلب إدارة دقيقة للموارد لضمان تنفيذ الرؤية بالشكل المطلوب.
التحدي الآخر تمثل في تحقيق أعلى قدر من الواقعية. وكنا مصرين على التصوير في مواقع حقيقية باستخدام غرف ضغط ووحدات غوص وسفن وتجهيزات فعلية، وهو أمر لم يكن سهلًا، لأن هذه السفن تعمل باستمرار، وإيقافها للتصوير يترتب عليه تكاليف تشغيل مرتفعة.
كما شكلت مشاهد الغوص تحت الماء تحديًا كبيرًا، سواء من ناحية سلامة بطل الفيلم أحمد الجابر أو ضمان جودة المشاهد، ولم أكن أستطيع متابعة التصوير مباشرة أثناء وجود الفريق تحت الماء، لذلك كنت أنتظر انتهاء كل جولة غوص لمراجعة اللقطات وإعطاء الملاحظات قبل استكمال التصوير.
رغم كل هذه التحديات، نجحنا في تجاوزها بفضل إيماننا بالقصة، والعمل الجماعي، والدعم الذي تلقيناه من عدد من الشركاء والمتخصصين، سواء من خلال توفير المعدات السينمائية أو الإسهام بخبراتهم، وهو ما كان له أثر كبير في إنجاز الفيلم بالصورة التي كنا نطمح إليها.

DSC04031
كيف توازن بين الطموح الفني والقيود الإنتاجية وما يتطلب من تجهيزات وتقنيات خاصة؟
يمنح الفيلم الوثائقي مساحة أكبر لابتكار حلول إنتاجية دون التأثير في جودة العمل، وهذا ما اعتمدنا عليه طوال مراحل التنفيذ. كنا نبحث دائمًا عن بدائل ذكية في تقديم المشاهد، بما يحقق الأثر البصري المطلوب.
في الوقت نفسه، تعاملنا مع هذا المشروع بعقلية الفيلم الروائي، أعددنا قائمة لقطات، وسيناريو تفصيلي، وأجرينا زيارات استكشافية لمواقع التصوير، وحددنا الزوايا والمشاهد مسبقًا. كنا نطمح إلى تقديم تجربة سينمائية متكاملة تجعل المشاهد يعيش القصة بكل تفاصيلها، وليس مجرد متابعة أحداث موثقة.
من خلال رحلتك في إنتاج الفيلم، ما أكثر معلومة صادمة حول الوظيفة؟
أكثر ما أدهشني هو طبيعة الحياة التي يعيشها الغواصون داخل غرف الضغط؛ إذ يقضون ما بين 3 و4 أسابيع في عزلة تامة، غير قادرين على مغادرتها، لأن أجسامهم تتكيف مع ضغط مرتفع وخليط غازات مختلف عن البيئة الخارجية. ولهذا فإن أي فتح مفاجئ لباب غرفة الضغط قد يؤدي إلى عواقب كارثية خلال لحظات نتيجة الفارق الكبير في الضغط، وقد شهد هذا المجال بالفعل حوادث مأساوية من هذا النوع.

غرفة الضغط
كما أثار دهشتي حجم الاحتياطات التي يفرضها العمل داخل غرف الضغط، إذ قد يتحول أي خدش أو جرح بسيط إلى إصابة خطيرة بسبب استحالة الخروج الفوري لتلقي العلاج، وهو ما قد يصل في بعض الحالات إلى بتر العضو المصاب. لذلك يتعامل الغواصون بحذر شديد مع كل حركة داخل الغرفة، خاصة أن مساحاتها الضيقة تضم العديد من الأسطح والزوايا المعدنية الحادة.
هل تعيش الأفلام الوثائقية السعودية مرحلة جديدة من النمو والاهتمام؟
أعتقد أن الأفلام الوثائقية في السعودية تعيش اليوم مرحلة مهمة من التطور، مدفوعة باهتمام متزايد من الجهات الثقافية والسينمائية، إلى جانب وفرة القصص المحلية التي تستحق أن تروى.
أرى أن تجربة فيلم «عمق» تمثل إحدى ثمار هذا الحراك؛ إذ سيعرض في دور السينما السعودية ابتداءً من 9 يوليو، ليصبح أول فيلم سعودي قصير يطرح تجاريًا في صالات السينما، ومن أوائل الأفلام الوثائقية التي تحقق هذا الحضور. وهذا يظهر أن هذا النوع من الأعمال أصبح يحظى بفرص أكبر للوصول إلى المشاهد، متى ما قدم بلغة سينمائية قادرة على الجمع بين الواقعية وجاذبية السرد.




