لم تعد عودة المخرج ستيفن سبيلبرج، وهو في مطلع الثمانينيات من عمره، إلى سينما الخيال العلمي بحثًا عن إبهار بصري أو استعراض تقني كما فعل في بعض محطاته السابقة، بقدر ما تبدو محاولة للعودة إلى الأسئلة الإنسانية التي لطالما شكّلت جوهر هذا النوع السينمائي. ففي فيلم «Disclosure Day» أو «يوم الإفصاح»، يضع سبيلبرج الإنسان في مواجهة المجهول، ويستخدم فكرة الكائنات الفضائية وسيلة لاستكشاف الخوف والحقيقة وحدود المعرفة.
لا تبدو الكائنات الفضائية هنا امتدادًا مباشرًا لعالمي «E.T.» و«Close Encounters of the Third Kind»، بل تأتي جزءا من رؤية أكثر نضجًا لمخرج بات ينظر إلى الخيال العلمي من منظور درامي وأخلاقي أعمق.
ويرتكز الفيلم، الذي كتب سيناريوه ديفيد كويب، على فكرة مألوفة في أدبيات الخيال العلمي، لكنه يعيد تقديمها ضمن إطار مشوّق ومشحون بالتوتر. تبدأ الأحداث مع مذيعة الطقس «مارجريت فيرتشايلد» التي تؤدي دورها إميلي بلانت، حين تتعرض خلال بث مباشر لتأثير قوة فضائية غامضة تقلب حياتها رأسًا على عقب.
وفي خط موازٍ، يظهر «دانيال كيلنر»، خبير الأمن السيبراني العامل داخل منظمة حكومية سرية أخفت لسنوات أدلة تؤكد وجود تواصل بين البشر وكائنات غير بشرية. وعندما يقرر تسريب هذه المعلومات إلى الرأي العام، تتحول القصة من مجرد كشف للحقائق إلى صراع وجودي مع مؤسسة مستعدة لفعل أي شيء من أجل إبقاء السر مدفونًا.
نقاط قوة الفيلم
تكمن إحدى نقاط قوة الفيلم في قدرته على تحويل فكرة بسيطة نسبيًا إلى عمل تجاري مشدود الإيقاع، وهي سمة رافقت سينما سبيلبرج طوال مسيرته. فالفيلم لا يتعامل مع «يوم الإفصاح» بوصفه حدثًا يكشف عن وجود كائنات فضائية فحسب، بل باعتباره لحظة انهيار للرواية الرسمية التي عاش عليها الناس لعقود.
ومن هنا ينتقل السؤال المركزي من: «هل توجد كائنات فضائية؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: «ماذا يحدث عندما يكتشف البشر أن الحقيقة كانت مخفية عنهم طوال هذا الوقت؟».
ورغم نجاح الفيلم في بناء هذا التوتر، فإن السيناريو لا يخلو من بعض الملاحظات. ففي أكثر من موضع يميل الحوار إلى شرح الأفكار مباشرة بدل تركها تتكشف عبر الصورة والفعل، ما يقلل أحيانًا من أثر الغموض. كما يتشعب النصف الثاني من الفيلم بين خطوط درامية متعددة تشمل المطاردات والمؤامرة الحكومية وطبيعة الكائنات نفسها، من دون أن يمنح كل مسار المساحة الكافية للتطور.
كذلك لا يقدم الفيلم دائمًا القدر المطلوب من المعلومات لفهم العالم الذي تدور فيه الأحداث. فهو يتأرجح بين الرغبة في الحفاظ على عنصر المفاجأة والحاجة إلى توضيح الخلفيات الأساسية، الأمر الذي قد يترك بعض المشاهدين في حالة من الحيرة، خصوصًا مع اقتراب النهاية.
ولهذا تبدو الخاتمة أقل تأثيرًا من حجم التمهيد الذي سبقها. فعلى الرغم من التصاعد المستمر في مستويات التوتر والصراع، فإن الذروة لا تبلغ المستوى الذي يعد به البناء الدرامي طوال الأحداث.
رؤية سبيلبرج
إخراجيًا، يثبت سبيلبرج مرة أخرى أنه لا يزال يمتلك قدرة استثنائية على صناعة الأفلام التجارية ذات الجودة العالية. فهو يوظف لغة بصرية واضحة وأنيقة، لكنه يمنح الأولوية للمشاعر الإنسانية على حساب الاستعراض البصري. ولذلك لا تتحول الكائنات الفضائية إلى أداة للإبهار بقدر ما تصبح عنصرًا في الخلفية لاختبار الإنسان وردود أفعاله عندما يواجه حقيقة تتجاوز فهمه.
وهنا تظهر بصمة سبيلبرج المعهودة؛ فالمشهد لا يُبنى فقط على ما تراه العين، بل على الأثر العاطفي الذي تتركه الصورة في المتلقي.
على مستوى الأداء التمثيلي، تمثل إميلي بلانت أحد أهم عناصر قوة الفيلم. إذ تقدم شخصية امرأة عادية تجد نفسها فجأة في قلب حدث يتجاوز قدرتها على الاستيعاب، وتنجح في التعبير عن مزيج الخوف والدهشة والارتباك من دون الوقوع في النمطية المعتادة لأبطال أفلام الخيال العلمي.
كما يقدم جوش أوكونور أداءً قويًا في دور «دانيال كيلنر»، الشخصية التي تؤمن بحق الجميع في معرفة الحقيقة مهما كانت العواقب. ويمنح حضوره الفيلم قدرًا كبيرًا من التوتر والحركة، خصوصًا في مشاهد المطاردة والمواجهة. ومع ذلك، فإن السيناريو لا يمنحه دائمًا العمق الكافي، إذ يستخدمه أحيانًا كأداة لتحريك الأحداث أكثر من كونه شخصية مكتملة البناء.
في المقابل، يضفي كولين فيرث ثقلًا واضحًا على شخصية المسؤول الحكومي الغامض «نواه سكانلون». ويكمن تأثيره في هدوئه وبروده أكثر من أي انفعال مباشر، ما يجعل الشخصية أكثر إقناعًا وإثارة للقلق في الوقت نفسه.
أما كولمان دومينجو، فيضيف إلى الفيلم بعدًا إنسانيًا هادئًا من خلال شخصية «هيوجو». فحضوره لا يعتمد على الصخب أو المواجهات، بل على قدرة لافتة في التعبير عن الصراعات الأخلاقية التي تدور في قلب القصة. ومن خلال أدائه، يعيد الفيلم طرح سؤاله الأساسي: هل يؤدي كشف الحقيقة إلى تحرير البشر، أم يدفعهم إلى مواجهة مخاوف لا يستطيعون تحملها؟
في المحصلة، يقدم «Disclosure Day» تجربة ممتعة ومشحونة بالتشويق، صُنعت بحرفية سينمائية عالية، حتى وإن شابها بعض التشتت والميل إلى الإفراط في الشرح. لكن قيمة الفيلم الحقيقية تكمن في أنه يعيد الخيال العلمي إلى جذوره الأولى، حيث تبقى إنسانية القصة أهم من إبهار الصورة.



