الخميس, 3 سبتمبر 2026|20 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


في خطوة تعكس انتقال صناعة الأفلام السعودية إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالاقتصاد وريادة الأعمال، بدأت مبادرة مسرعة الأعمال التابعة لهيئة الأفلام رحلة تمكين 20 شركة ناشئة اختيرت من بين 350 مسجلًا في البرنامج، بعد سلسلة من مراحل التأهيل والمعسكرات التدريبية.

يأتي البرنامج، الذي أطلقته الهيئة في يناير 2026، بهدف تطوير شركات تعمل في مختلف حلقات صناعة الأفلام، ورفع جاهزيتها للنمو والوصول إلى العملاء والاستثمارات، في وقت تتسع فيه احتياجات القطاع السعودي إلى نماذج أعمال وخدمات تتجاوز إنتاج الفيلم نفسه.

وتأتي المسرعة في هذا السياق بوصفها أحد المسارات التي تركز على الجانب التجاري من الصناعة. فالشركات المشاركة لا تعمل جميعها في إنتاج الأفلام التقليدي، وإنما تمتد أعمالها عبر سلسلة القيمة السينمائية، بدءًا من تطوير المشاريع والتحضير لها، مرورًا بالإنتاج والخدمات التقنية، ووصولًا إلى ما بعد الإنتاج والتوزيع والعرض والتدريب والحلول الرقمية.

يمتد برنامج المسرعة المكثف لنحو 16 أسبوعًا، ويقام حضوريًا في الرياض، ويركز على التدريب والإرشاد والاستشارات الاستراتيجية، بما يساعد الشركات على بناء نماذج أعمال أكثر وضوحًا وتسريع توسعها في السوق. كما شهد البرنامج في أغسطس 2026 جلسات وورشًا متخصصة شاركت فيها الشركات العشرون، ضمن مرحلة تركز على تحويل الطموحات والأفكار إلى أهداف قابلة للقياس وخطط تنفيذية.

محاور التطوير داخل المسرعة تتوزع بين عدد من الملفات

تتوزع محاور التطوير داخل المسرعة بين عدد من الملفات التي تمثل أساس أي شركة ناشئة في مرحلة النمو، ومنها تحليل الأهداف، وبناء القيادة والفريق، والتقنية والملكية الفكرية، وصياغة استراتيجية الشركة، وتحليل السوق، والتسويق والمبيعات، والإدارة المالية والمحاسبية، إلى جانب التمويل والاستعداد للاستثمار.

ويظهر هذا التوجه في طبيعة الشركات المشاركة، التي تقدم نماذج أعمال تتجاوز الصورة التقليدية لشركات الإنتاج السينمائي. ومن بينها «CineNow»، وهي منصة سينما رقمية سعودية تتيح للمشاهد شراء تذكرة رقمية لمشاهدة فيلم محدد دون الحاجة إلى اشتراك شهري، في نموذج تسعى من خلاله إلى إنشاء نافذة توزيع إضافية للأفلام بعد عرضها السينمائي.

وتراهن المنصة على منح الأفلام عمرًا تجاريًا أطول وفرصة للوصول إلى جمهور أوسع، إلى جانب إتاحة الأفلام السعودية والعربية لجمهور عالمي عبر الترجمات متعددة اللغات، واستقطاب أعمال دولية من أسواق سينمائية أقل حضورًا في المنطقة.

وتقول أضوى فهد، إحدى مؤسسي المنصة: "واجهتنا قبل الانضمام إلى المسرعة تحديات تتعلق بالعقود والتمويل ومعرفة الجهات المناسبة، لكن وجود مستشارين متخصصين في المجالات القانونية والمالية والتسويقية ضمن منظومة واحدة ساعدنا على تجاوز كثير من هذه العقبات واختصار الوقت والجهد".

وفي نموذج مختلف، تأتي «بسر» كسلسلة نشرات سينمائية أسبوعية تهدف إلى تقديم محتوى مبتكر بتحرير محمد بشير، وتأليف وتصميم وتوجيه بصري علي حمدون، ومراجعة د.لؤي فلمبان. إذ يشير فلمبان أن أبرز ما استفاد منه فريق «بسر» خلال المسرعة كان تطوير طريقة العمل وفهم البيئة الأنسب للمشروع، إلى جانب اكتشاف نقاط القوة لدى أعضاء الفريق وإعادة توظيفها بصورة أكثر فاعلية. وقال: "مع المسرعة اكتشفنا أن بعض الأشياء التي كنا نعمل عليها فيها أخطاء، وهذا طبيعي، لكن التوجيه والخبرات ساعدتنا على معرفة ما هو صحيح وما نحتاج إلى تغييره، وتجاوز عقبات كان من الممكن أن تستغرق سنوات".

 دعم الشركات قبل وصولها إلى السوق

تكشف تجربة «بسر» عن جانب آخر تستهدفه المسرعة، يتمثل في دعم الشركات قبل وصولها إلى السوق، إذ لا يشترط أن تكون جميع المشاريع المشاركة قد حققت انتشارًا واسعًا أو وصلت إلى مرحلة النضج التجاري، ما دامت تمتلك فكرة قابلة للتطوير ونموذجًا يمكن البناء عليه.

أما «أكاديمية وايتلنز»، فتقدم نموذجًا مختلفًا يرتبط بتطوير الكفاءات البشرية في قطاع الأفلام. وأظهرت الشركة مؤشرات مبكرة على وجود طلب على خدماتها، بعدما تجاوز حضورها على إنستجرام 100 ألف زيارة شهريًا، إلى جانب قائمة انتظار تضم أكثر من 150 شخصًا لدورة تدريبية واحدة، وفقًا للمعطيات المقدمة عن الأكاديمية.

وهنا تتقاطع أهداف المسرعة مع أحد المسارات الرئيسية في استراتيجية هيئة الأفلام، المرتبط ببناء سلسلة من الكفاءات والخدمات المحلية التي تستطيع مواكبة نمو السوق. فالقطاع السينمائي لا يعتمد على المخرج والممثل فقط، وإنما يحتاج إلى شبكة واسعة من المتخصصين والشركات، تمتد من التدريب إلى الخدمات التقنية والمعدات والتوزيع والتسويق.

وتكمن أهمية المسرعة في أنها تضيف طبقة جديدة إلى برامج الدعم التي تعمل عليها هيئة الأفلام. فالهيئة تقدم من خلال مبادراتها حوافز للإنتاج، من بينها برنامج الحوافز الذي يتيح استردادًا نقديًا يصل إلى 60% من تكاليف الإنتاج المؤهلة لبعض المشاريع، إلى جانب برامج أخرى لدعم المحتوى المحلي وربط المنتجين بالخدمات والمرافق والمواهب.

لكن مسرعة الأعمال تتعامل مع جانب مختلف؛ فهي لا تبدأ من الفيلم، وإنما من الشركة نفسها. والفرق بين المسارين قد يكون جوهريًا في مستقبل الصناعة، لأن دعم إنتاج فيلم واحد يمكن أن يحقق نجاحًا محدود المدة، بينما بناء شركة مستقرة قادرة على تقديم خدماتها لعشرات المشاريع قد يخلق أثرًا اقتصاديًا مستدامًا.

ومع وصول البرنامج إلى مراحله المتقدمة، تقترب رحلة المسرعة من ختامها في أكتوبر 2026، على أن تتوج باختيار 3 شركات فائزة تحصل على جوائز ودعم يساند نموها وتطوير أعمالها، ويمنحها دفعة إضافية للانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا في السوق. وتمثل هذه المرحلة اختبارًا عمليًا لمدى قدرة الشركات على توظيف ما اكتسبته خلال البرنامج وتحويله إلى نتائج ملموسة، سواء عبر جذب العملاء، أو تطوير المنتجات، أو استقطاب التمويل والاستثمار. ولا تتوقف قيمة التجربة عند الشركات الثلاث الفائزة، إذ تستفيد الشركات العشرون من شبكة الإرشاد والخبرات والشركاء التي وفرتها المسرعة، بما يعزز فرص استمرارها بعد انتهاء البرنامج.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية