الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

كانت نيسان تواجه أصعب أزمة في تاريخها الممتد لـ9 عقود، بعد انهيار محادثات الاندماج مع هوندا، ما دفع مجلس الإدارة إلى اختيار إيفان إسبينوزا لقيادة الشركة في مرحلة إعادة الهيكلة.

ويبلغ إسبينوزا (46 عامًا) وهو أول رئيس تنفيذي غير ياباني للشركة منذ سنوات، وانضم إلى نيسان 2003 في المكسيك، قبل أن يتدرج في مناصب دولية ويشغل منصب كبير مسؤولي التخطيط في 2024، ليقود اليوم خطة إعادة هيكلة الشركة.

صرّح إسبينوزا لمجلة فورتشن في وقتٍ سابق من هذا العام: "كنت أعرف ما يجب فعله. كان من الواضح أنه لا بد من إعادة هيكلة الشركة".

تصنيع وبيع المنتجات في جميع أنحاء العالم نموذج لم يعد مناسبا

لعقود طويلة، قامت شركات صناعة السيارات العالمية مثل تويوتا ونيسان وجنرال موتورز وفولكسفاجن بتصنيع وبيع منتجاتها في جميع أنحاء العالم. لكن هذا النموذج لم يعد مناسبًا لعالم اليوم الذي يتسم بنزعته الحمائية وتنافسيته الشديدة. وتؤكد إستراتيجية نيسان الحالية هذا التحول، حيث تركز الشركة جهودها على سوقين رئيسيتين: الصين والولايات المتحدة.

يقول إسبينوزا: "لدينا بيئة أعمال في الصين، وأخرى في الولايات المتحدة. إذا أردت أن تكون شركة عالمية، فعليك التواجد في كلتيهما".

تُعد نيسان موتور، التي تأسست 1933، أقدم شركات صناعة السيارات اليابانية الثلاث الكبرى.

عندما أصدرت مجلة فورتشن قائمتها الحالية لأكبر 500 شركة عالمية في 1995، احتلت نيسان المرتبة 23 بإيرادات بلغت 58.7 مليار دولار. تحتل نيسان اليوم المرتبة 168، بإيرادات بلغت 79.7 مليار دولار في سنتها المالية الأخيرة، بانخفاض قدره 4% عن العام السابق. كما سجلت خسارة قدرها 3.54 مليار دولار، وهي من أكبر الخسائر في القائمة.

يقول تاكاكي ناكانيشي، محلل السيارات في شركة أستريس أدفايزوري أن نيسان عانت لسنوات من فائض الإنتاج وارتفاع التكاليف وبطء تطوير المنتجات، ما أدى إلى خسائر متتالية وضغوط متزايدة من المساهمين لإصلاح أوضاعها. وفي محاولة لإنقاذ الشركة، دخلت في محادثات اندماج مع هوندا أواخر 2024، لكنها انهارت بعد خلافات بشأن هيكل السيطرة، لتنتهي باستقالة الرئيس التنفيذي ماكوتو أوتشيدا وتعيين إيفان إسبينوزا خلفًا له.

في غضون 6 أسابيع، وضع إسبينوزا خطة لخفض التكاليف ومواكبة المنافسة. كانت النتيجة خطة "إعادة نيسان" التي أُعلن عنها في مايو 2025. تعد الخطة بتوفير 500 مليار ين (3.1 مليار دولار أمريكي)، وإغلاق 7 مصانع، وتسريح 20 ألف عامل، وتقليص دورات التطوير إلى ما يزيد قليلاً على عامين.

تتوقع نيسان الآن العودة إلى الربحية في السنة المالية الحالية. لكن يقول ناكانيشي: "من السهل خفض التكاليف، لكن من الأصعب استعادة قيمة العلامة التجارية".

يُعدّ إصلاح أعمال نيسان في أمريكا الشمالية، سوقها الأهم، أمرًا بالغ الأهمية لعودة العلامة التجارية. تبيع الشركة ما يزيد قليلاً على 40% من سياراتها في المنطقة - وتحديدًا في الولايات المتحدة - ما يجعلها "القوة الدافعة" داخل نيسان، كما يقول كريستيان مونييه، رئيس قسم الأمريكيتين في الشركة.

عندما عاد مونييه، أحد المخضرمين في نيسان، إلى الشركة اليابانية لصناعة السيارات 2025، وجدها، كما يقول، شركة "لم يتعرف عليها". فقام بتقليص النفقات "بشكل جذري"، حيث خفض التكاليف الثابتة والمتغيرة بمقدار ملياري دولار في غضون 12 شهرًا فقط.

لكن التهديد الأكبر لأعمال نيسان في الولايات المتحدة لم يأتِ من التضخم الإداري، بل من واشنطن. ففي مارس 2025، بعد أشهر قليلة من عودة مونييه إلى نيسان، وقبل أيام من تولي إسبينوزا منصب الرئيس التنفيذي، أعلن دونالد ترامب فرض رسوم جمركية 25% على جميع سيارات الركاب المستوردة. (تبلغ الرسوم الجمركية على السيارات اليابانية المستوردة حاليًا 15%، بعد مفاوضات تجارية بين الولايات المتحدة واليابان).

وتسببت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في إرباك سلاسل إمداد نيسان من جهتين؛ إذ رفعت تكلفة السيارات والمكونات المستوردة من اليابان، كما هددت شبكة التوريد بين الولايات المتحدة والمكسيك التي اعتمدت عليها الشركة لسنوات.

المكسيك جزء أساسي من عمليات "نيسان" في أمريكا الشمالية

ستظل المكسيك جزءًا أساسيًا من عمليات نيسان في أمريكا الشمالية. ستواصل نيسان إنتاج سيارات الفئة الاقتصادية، مثل سنترا وكيكس، في المكسيك، نظرًا لعدم جدوى إنتاج هذه الطرازات ذات هامش الربح المنخفض في الولايات المتحدة. يطرح مونييه الإنتاج المكسيكي كحل لأزمة القدرة على تحمل تكاليف السيارات في الولايات المتحدة. يقول: "لا يستطيع الناس شراء سيارة جديدة. لذا، فإن تصنيع سيارات الفئة الاقتصادية في المكسيك أمر منطقي بالنسبة للولايات المتحدة".

باعت نيسان 361,563 سيارة لسائقي الولايات المتحدة في الأشهر الـ6 الأولى من 2026، بزيادة قدرها 8.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. لكن مونييه لا يعلن النصر. يقول: "يسألني الناس: هل أنت راضٍ؟ لا، لست كذلك. أعتقد أن 60% من العمل قد أُنجز. ما زال أمامنا 40%. إذا رتبنا أهم أسواق نيسان، فإن الصين تأتي مباشرةً بعد الولايات المتحدة".

وتواجه شركات السيارات الأجنبية صعوبة متزايدة في المنافسة داخل الصين، مع تفوق الشركات المحلية في إنتاج سيارات كهربائية أقل تكلفة وأكثر تطورًا، ما أدى إلى تراجع مبيعات نيسان هناك. ورغم ذلك، تستهدف الشركة رفع مبيعاتها في السوق الصينية إلى مليون سيارة سنويًا بحلول نهاية العقد، بدلًا من الانسحاب منها.

الصين مصدر لتطوير أساليب "نيسان"

وترى نيسان أن الصين لم تعد مجرد سوق رئيسية، بل أصبحت أيضًا مصدرًا لتطوير أساليب عملها، إذ دفعتها سرعة الابتكار لدى الشركات الصينية إلى تبسيط عمليات اتخاذ القرار، وتقليص عدد المسؤولين المشاركين في بعض قرارات التصميم، إلى جانب توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية لتسريع تطوير السيارات.

وتعكس نتائج قائمة فورتشن جلوبال 500 الضغوط التي تواجهها صناعة السيارات، إذ جاءت 6 من أكبر 20 خسارة هذا العام من شركات سيارات، في ظل التحول إلى السيارات الكهربائية، والمنافسة الصينية، واضطرابات سلاسل الإمداد.

وفي المقابل، تراهن نيسان على إستراتيجية أكثر مرونة تراعي خصوصية كل سوق مع الحفاظ على نموذج عالمي موحد. ويؤكد الرئيس التنفيذي إيفان إسبينوزا أن فصل عمليات الشركة بالكامل بين الأسواق ليس خيارًا عمليًا، لأنه سيؤدي إلى ارتفاع التكاليف وفقدان الكفاءة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية