أعاد الجناح السويسري روبن فارغاس كتابة التاريخ الرياضي لبلاده، بعدما قاد منتخب "الناتي" للتأهل إلى الدور ربع النهائي لبطولة كأس العالم 2026، إثر تحويله ركلة الترجيح الحاسمة بنجاح في شباك المنتخب الكولومبي، ليفك عقدة لازمت السويسريين طوال 72 عاماً وتحديداً منذ مونديال 1954.
ولم يكن طريق فارغاس (27 عاماً) مفروشاً بالورود نحو هذا المجد؛ بل جاءت اللقطة التاريخية بمنزلة تتويج لمسيرة استثنائية مليئة بالمنعطفات الشاقة، وتجاوز للشكوك البدنية والإصابات التي هددت مشاركته في المباراة بقرار من الجهاز الطبي.
ولد فارغاس لأب دومينيكاني وأم سويسرية في بيئة مفعمة بالرياضة؛ حيث شاركت والدته سابقاً في بطولات أوروبا للقفز على "الترامبولين"، بينما يعمل والده معلماً لرياضة الجولف، هذا التنوع فتح أمام الطفل الصغير آفاقاً لتجربة رياضات عدة كالتنس والجولف والبيسبول.
وفي حديث سابق لوالدته مع وسائل إعلام سويسرية، أكدت أن روبن كان يحمل مضرب البيسبول منذ سن الثالثة، وهو ما ساعده على تطوير سرعتها الفائقة، وتوقيت تحركاته، والتوافق العضلي العصبي. ورغم الشغف الأولي بالبيسبول، اختار فارغاس في النهاية كرة القدم، واصفاً إياها بـ "اللعبة الأكثر متعة".
عقدة البنية الضئيلة ومعاناة البدايات
لم تفتح كرة القدم أبوابها بسهولة للنجم الحالي لنادي إشبيلية الإسباني. فخلال فترة تكوينه في ناشئي نادي لوزيرن السويسري، عانى فارغاس من بنيته الجسدية الضعيفة والنحيفة مقارنة بأقرانه.
وفي تصريحات أدلى بها للموقع الرسمي للاتحاد الدولي "فيفا"، استذكر فارغاس تلك المرحلة قائلاً "كان بقية الأطفال أطول وأقوى بدنياً مني، لذلك لم أكن ألعب كثيراً"، وهي الفترة التي أجبرته على تطوير مهاراته الفنية وذكائه الميداني لتعويض فارق القوة البدنية.
التحدي الأكبر في حياة فارغاس كان في المرحلة العمرية بين 16 و18 عاماً؛ حيث اضطر لخوض برنامج تدريب مهني كعامل "طلاء جدران" لتأمين مستقبله بالتوازي مع تدريباته الشاقة في نادي لوزيرن.
وعن تلك التجربة التي تركت أثراً لا يُمحى في شخصيته، قال فارغاس: "لقد عشت حياة بجدول قاتل؛ كنت أستيقظ في الصباح الباكر لأعمل واقفاً على قدمي من الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساءً، ومن ثم أركض مباشرة إلى التمارين. كنت أعود للمنزل منهكاً، أتناول عشائي بسرعة ثم أسقط من شدة التعب، ليتكرر الأمر ذاته في اليوم التالي".
وأكد النجم السويسري أن هذه المعاناة كانت الوقود الحقيقي لنجاحه، قائلًا: "منذ تلك اللحظة قررت أن أقدم كل ما لدي لكرة القدم للنجاح فيها. معرفتي بتلك الحياة الشاقة تجعلني أقدر تماماً النعمة والفرصة التي أمتلكها اليوم كمحترف، ولو لم أنجح في الكرة لكنت فضلت الاستمرار في مهنة الطلاء التي أحببتها".
أمام كولومبيا، لم يكن فارغاس يواجه الخصم الفني فحسب، بل كان يواجه شبحاً ماضياً طارده منذ بطولة أمم أوروبا (يورو 2020)، عندما أهدر ركلة الترجيح الأخيرة أمام إسبانيا في ربع النهائي متسبباً في خروج بلاده باكية.
وجاءت ليلة السابع من يوليو لتمنح "دهان الجدران السابق" صك الغفران ورد الاعتبار التاريخي؛ حيث تقدم بثبات وثقة ليسدد الركلة الحاسمة التي فجرت الأفراح في شوارع سويسرا، معلنة تأهل بلادها لربع النهائي، ومحولة فارغاس من لاعب حامت الشكوك حول جاهزيته إلى بطل قومي ملهم للشباب.

