لم يعد التألق داخل الملعب وحده كافياً لصناعة النجومية في عالم الرياضة، فمع تصاعد تأثير منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت شخصية اللاعب خارج الملعب عاملاً لا يقل أهمية عن أهدافه وإنجازاته. ويجسد النرويجي إرلينج هالاند هذا التحول بامتياز، بعدما تحول خلال كأس العالم 2026 إلى واحدة من أكثر الشخصيات تداولاً على الإنترنت، مستفيداً من مزيج نادر يجمع بين الأداء الاستثنائي والحضور العفوي على المنصات الرقمية.
ويدخل هالاند البطولة وهو أحد أبرز نجومها، بعدما سجل 7 أهداف في أول 4 مباريات، لكن شهرته تجاوزت حدود الأرقام والإحصاءات. فقد اجتذب ملايين المتابعين الجدد، بمن فيهم أشخاص لم يكونوا من عشاق كرة القدم، بفضل حضوره المختلف على وسائل التواصل الاجتماعي وما يصاحبه من صور ومقاطع طريفة وميمز انتشرت على نطاق واسع.
ويعود جانب من هذه الشعبية إلى المفارقة التي يقدمها اللاعب؛ إذ يبدو داخل الملعب مهاجماً قوياً يصعب إيقافه، بينما يظهر خارجه بصورة مرحة وعفوية، مستخدماً فلاتر تطبيقات التواصل، وناشراً صوراً ساخرة وتعليقات خفيفة تظهر شخصيته بعيداً عن الصورة التقليدية للنجوم الرياضيين. هذا التباين جعل الجمهور يتفاعل معه بطريقة مختلفة، وأضفى عليه بعداً إنسانياً عزز ارتباط المتابعين به.
فرصة لبناء صورة شخصية مستقلة
ويرى مختصون أن ما يحدث مع هالاند يعكس تحولاً أوسع في صناعة الرياضة، حيث لم تعد العلاقة بين اللاعب والجمهور تقتصر على المباريات والمؤتمرات الصحافية، بل أصبحت منصات التواصل تمنح الرياضيين فرصة لبناء صورة شخصية مستقلة، والتواصل المباشر مع الملايين دون وسطاء. وبذلك بات اللاعب يشارك بنفسه في تشكيل هويته الإعلامية وتعزيز علامته التجارية.
كما أسهم تفاعل هالاند المستمر مع جمهوره في مضاعفة هذا الزخم. فقد اعتاد الرد على التعليقات الساخرة، ونشر صور من غرفة الملابس بعد المباريات، ومشاركة يومياته عبر منصات مختلفة، وهو ما منح المتابعين شعوراً بالقرب منه، وساعد على انتشار محتواه بوتيرة متسارعة عبر الإنترنت.
منصات التواصل تغير طبيعة العلاقة بين اللاعب والجماهير
ويقول مختصون في الإعلام الرياضي إن منصات التواصل غيرت طبيعة العلاقة بين اللاعبين والجماهير، فلم يعد المشجع يكتفي بمتابعة أداء نجمه المفضل، بل بات يطّلع على تفاصيل حياته اليومية ويتفاعل مع محتواه، ما يولد لديه شعوراً بأنه يعرفه عن قرب. ويرى الباحثون أن هذا التقارب الرقمي أصبح أحد أهم العوامل في بناء شعبية الرياضيين وتعزيز قيمتهم التجارية، حسب ماذكرت مجلة فورتشن.
وفي المقابل، يحذر خبراء من أن هذا القرب قد يحمل جوانب سلبية إذا تجاوز حدود التشجيع الطبيعي، خصوصاً مع انتشار المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي أو حملات الإساءة التي قد تطول اللاعبين وعائلاتهم. وكان هالاند قد أبدى في أكثر من مناسبة قلقه من استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مزيف يتعلق بالرياضيين، معتبراً أن هذه الظاهرة قد تصبح مصدر إزعاج مستقبلاً.
ولم يعد انتشار اللاعب يقتصر على ما يقدمه في المباريات، بل أصبح المحتوى المتداول عنه على منصات التواصل جزءاً من صناعة شهرته.
قيمة تجارية لا تعتمد فقط على عدد الأهداف
وتؤكد هذه الظاهرة أن اقتصاد الرياضة يشهد تحولاً متسارعاً، حيث أصبحت القيمة التجارية للاعب لا تعتمد فقط على عدد الأهداف أو البطولات، بل أيضاً على قدرته على جذب الجمهور عبر المنصات الرقمية، وبناء مجتمع من المتابعين يمنحه فرصاً أكبر في عقود الرعاية والإعلانات والشراكات التجارية.
ويبدو أن هالاند يمثل نموذجاً واضحاً لهذا التحول؛ فهو لم يكتفِ بفرض نفسه أحد أفضل مهاجمي العالم، بل نجح أيضاً في ترسيخ مكانته كأحد أبرز نجوم الثقافة الرقمية، في وقت أصبحت فيه الشهرة على الإنترنت جزءاً لا يتجزأ من صناعة الرياضة الحديثة.

