لم تعد كأس العالم الوجهة التي يستطيع جميع عشاق كرة القدم الوصول إليها، بعدما أدت الزيادات الكبيرة في أسعار التذاكر والإقامة إلى جعل حضور البطولة أكثر صعوبة بالنسبة للمشجعين من أصحاب الدخل المحدود، في تحول واضح عن النسخ السابقة التي اشتهرت بقصص الجماهير الباحثة عن أقل التكاليف.
فعلى مدى العقود الماضية، اعتاد المشجعون السفر بوسائل بسيطة، من الحافلات والقطارات إلى الرحلات البرية الطويلة، بل إن بعضهم قطع المحيطات أو نام في المخيمات وعربات التخييم من أجل مؤازرة منتخباتهم في المونديال. إلا أن النسخة الحالية فرضت واقعًا مختلفًا مع تضاعف تكاليف الحضور.
وقال عدد من المشجعين إن الأسعار المرتفعة أجبرتهم على تقليص عدد المباريات التي كانوا يخططون لحضورها. وأوضح البريطاني مايك جيل أن حضور المباريات أصبح يتطلب ميزانية كبيرة، مؤكدًا أن "الأسعار مرتفعة، لكن الجماهير تواصل الدفع". فيما كشف الأمريكي جريج كونور عن أنه أنفق نحو 9600 دولار على 4 تذاكر لعائلته، الأمر الذي دفعه إلى الاكتفاء بحضور مباراة واحدة بدلًا من 5 أو 6 مباريات كما كان يخطط، وفقا لـ"رويترز".
ويعود جزء كبير من هذه الزيادة إلى اعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نظام التسعير الديناميكي، الذي يربط أسعار التذاكر بحجم الطلب. وبعد أن بلغ السعر الرسمي لأغلى تذكرة في دور المجموعات 575 دولارًا، قفزت أسعار إعادة البيع إلى أكثر من ألف دولار، بينما وصل متوسط أقل سعر للمباريات المقبلة إلى نحو 1600 دولار عبر منصات البيع الثانوية.
كما امتدت الزيادات إلى تكاليف السفر والإقامة، إذ كشف مشجعون عن إنفاق عشرات الآلاف من الدولارات لحضور البطولة. وقال الإكوادوري ريناتو بيريز إنه أنفق نحو 22 ألف دولار على رحلة عائلته المكونة من 5 أفراد، مؤكدًا أن التجربة "تستحق كل ما دُفع فيها".
وأدى هذا الواقع إلى تغير طبيعة الجماهير الحاضرة في الملاعب، إذ أظهرت مقابلات أجريت مع عشرات المشجعين أن الأغلبية يعملون في وظائف ذات دخول مرتفعة، مثل التمويل والعقارات والمبيعات، إلى جانب أصحاب الأعمال والأطباء والمهندسين، في حين تراجع حضور أصحاب المهن متوسطة ومنخفضة الدخل.
ورغم الانتقادات، دافع "فيفا" عن سياسة التسعير، مؤكدًا أنه طرح 130 ألف تذكرة بسعر 60 دولارًا، وأن الإيرادات الإضافية ستُعاد استثمارها في تطوير كرة القدم حول العالم. إلا أن هذا العدد يمثل نسبة محدودة مقارنة بإجمالي نحو 7 ملايين تذكرة مطروحة للبطولة، كما أنه يقل كثيرًا عن التذاكر المخفضة التي أتيحت خلال مونديال البرازيل 2014.

Untitled design(7)
ولم تقتصر الأسعار المرتفعة على التذاكر العادية، إذ شهدت البطولة طرح باقات ضيافة فاخرة وصلت قيمتها إلى 4 ملايين دولار، تضمنت مقاعد مميزة في المباراة النهائية وإمكانية دخول أرض الملعب خلال مراسم التتويج، بينما بيع مقعدان إضافيان بسعر 1.5 مليون دولار لكل منهما خلال أقل من 24 ساعة.
ويرى خبراء في اقتصاد الرياضة أن هذه الأسعار تظهر الشعبية العالمية المتزايدة لكرة القدم واتساع أسواقها، خصوصًا في الولايات المتحدة، إلا أن كثيرين يخشون أن يؤدي هذا التوجه إلى فقدان البطولة جزءًا من هويتها، بعدما أصبحت تكلفة الحضور تفوق قدرة شريحة واسعة من الجماهير التي شكلت على الدوام روح كأس العالم.


