تتجاوز أهمية كأس العالم للرياضات الإلكترونية حدود المنافسة على الألقاب والجوائز، لتتحول البطولة إلى أحد المحركات الجديدة لصناعة الرياضات الإلكترونية واقتصادها، في ظل تنامي المتابعة العالمية، واتساع قاعدة الجماهير، وتطور البنية التحتية، ودخول القطاع مرحلة أكثر نضجاً من حيث التنظيم والاستثمار واستقطاب الفعاليات الدولية.
وأكد فيصل بن حمران، الرئيس التنفيذي للرياضات الإلكترونية في مؤسسة الرياضات الإلكترونية، أن النسخة الثالثة من البطولة حققت نجاحاً لافتاً، رغم التحديات الكبيرة التي رافقت نقلها للمرة الأولى من الرياض إلى باريس خلال فترة زمنية قصيرة، مشيراً إلى أن التجربة أثبتت قدرة القطاع على تنظيم فعاليات عالمية بمستويات تشغيلية عالية، وفتحت المجال أمام آفاق جديدة للتوسع والنمو.
7 أسابيع لنقل بطولة عالمية
أوضح ابن حمران أن عملية نقل البطولة إلى العاصمة الفرنسية تمت خلال نحو 7 أسابيع فقط، وهو إطار زمني شكل ضغطاً كبيراً على فرق العمل، إلا أن الخبرات المتراكمة والإمكانات التنظيمية ساعدت على تجاوز التحديات وتحقيق نتائج إيجابية على مستوى الحضور والمشاهدة.
وقال: «نحن فخورون جداً بالمشروع والنتائج التي تحققت، خصوصاً على مستوى المشاهدة والحضور. كانت هذه أول نسخة تقام خارج الرياض، وباريس ساعدتنا كثيراً في إنجاح الحدث بفضل بنيتها التحتية وخبرتها الطويلة في استضافة البطولات العالمية».
ولا تكمن أهمية التجربة في نجاح تنظيم النسخة الحالية فقط، بل فيما توفره من خبرة تشغيلية يمكن البناء عليها مستقبلاً، خصوصاً مع توسع صناعة الرياضات الإلكترونية وارتفاع الطلب العالمي على استضافة البطولات والفعاليات الكبرى.
نجاح دولي يعزز قيمة القطاع الاقتصادية
من منظور اقتصادي، يمثل ارتفاع المشاهدة والحضور الجماهيري مؤشراً مهماً على اتساع السوق القابلة للنمو حول الرياضات الإلكترونية، إذ لم تعد البطولة مجرد منافسة بين اللاعبين والفرق، بل أصبحت منصة تستقطب الجماهير والمعلنين والشركاء والناشرين ومختلف الشركات المرتبطة بالقطاع.
ويشير ابن حمران إلى أن نمو البطولة منذ انطلاقتها في 2024 جاء بوتيرة أسرع من التوقعات الأولية، قائلاً إن القائمين على المشروع كانوا يتوقعون نجاحه من حيث الجودة، لكنهم لم يتوقعوا «هذا النمو السريع في القطاع ولا هذا الزخم العالمي».
وأضاف أن المشاهدة ارتفعت بشكل كبير من مختلف أنحاء العالم، بالتوازي مع الحضور الجماهيري الكبير الذي شهدته الرياض خلال النسختين الماضيتين.
وتعني هذه المؤشرات، اقتصادياً، أن الرياضات الإلكترونية باتت تمتلك قدرة متنامية على إنتاج محتوى رياضي عالمي قادر على جذب الجمهور عبر الحدود، وهو ما يرفع من فرص تطوير مصادر دخل مستدامة مرتبطة بحقوق البث والرعاية والتسويق والفعاليات والمنتجات والخدمات الرقمية.
الجمهور يتحول إلى أصل اقتصادي
يبرز الحضور الجماهيري كأحد أهم عناصر التحول في صناعة الرياضات الإلكترونية. فبعد أن ارتبطت المنافسات الإلكترونية لسنوات طويلة بالمشاهدة عبر الإنترنت، أصبحت البطولات الكبرى قادرة على جذب جماهير إلى الملاعب والمسارح، بما يخلق اقتصاداً موازياً للحدث نفسه.
وأشار ابن حمران إلى أن الأجواء الجماهيرية أصبحت من أبرز سمات البطولة، مبيناً أن بعض الحضور تفاجأوا بحجم التفاعل والحماس داخل مسارح الرياضات الإلكترونية، بما يشبه أجواء مباريات كرة القدم.
وقال: «كنت أعلم أن هذه الأجواء ستصل إلى الرياضات الإلكترونية، لكن لم أكن أعرف متى. والحمد لله رأيناها في الرياض ونراها اليوم في باريس. القطاع يتطور بسرعة كبيرة ونحن سعداء بهذا التطور».
وهذا التحول يوسع القيمة الاقتصادية للبطولة، إذ يصبح الجمهور الحاضر جزءاً من منظومة تشمل الإنفاق على التذاكر والضيافة والسفر والإقامة والنقل والمطاعم والتجزئة، إلى جانب العوائد المباشرة للحدث.
باريس .. تجربة للتوسع خارجياً
يمثل انتقال البطولة من الرياض إلى باريس محطة مهمة في مسارها، ليس فقط باعتبارها النسخة الأولى التي تقام خارج السعودية، وإنما باعتبارها تجربة عملية لاختبار قدرة النموذج على العمل في أسواق عالمية مختلفة.
ووفق ابن حمران، أسهمت البنية التحتية والخبرة الطويلة لباريس في استضافة البطولات العالمية في إنجاح الحدث، فيما وفرت التجربة في المقابل فرصة لاختبار القدرات التنظيمية خارج البيئة المحلية.
وقد يكون لهذا البعد أهمية في الخطط المستقبلية للقطاع، إذ تتيح استضافة الفعاليات في مدن عالمية الوصول إلى جماهير وأسواق جديدة، وتعزيز العلامة التجارية للبطولة، ورفع حضور الرياضات الإلكترونية السعودية على الساحة الدولية.
العودة إلى الرياض .. من التنظيم إلى بناء الصناعة
ومع اختتام النسخة الحالية، يتطلع ابن حمران إلى العودة إلى الرياض في النسخة المقبلة، مؤكداً أن فريق العمل ينهي هذه المرحلة بشعور من الفخر بما تحقق، رغم الإرهاق الذي رافق تنظيم الحدث.
وقال: «نحن في آخر السباق، فخورون بما أنجزناه ومتعبون قليلاً، لكن الحمد لله على نجاح هذه النسخة».
وتحمل العودة إلى الرياض دلالة تتجاوز الجانب التنظيمي، خصوصاً في ظل السعي إلى ترسيخ السعودية كمركز عالمي لصناعة الرياضات الإلكترونية. فالاستضافة المستمرة تمنح القطاع فرصة لتطوير منظومة محلية تشمل المواهب والفرق والأندية والإنتاج والبث والتقنيات والخدمات المساندة، بدلاً من الاكتفاء باستضافة المنافسات.
المرحلة المقبلة .. تعظيم الأثر الاقتصادي
مع النمو السريع في المشاهدة والحضور، تبدو المرحلة المقبلة أمام الرياضات الإلكترونية مرتبطة بقدرتها على تحويل هذا الزخم الجماهيري إلى قيمة اقتصادية طويلة الأجل.
فالنجاح في استضافة بطولة عالمية يمثل نقطة البداية، بينما يتمثل التحدي الأكبر في بناء صناعة مستدامة حولها، تستفيد من حقوق البث والرعاية والإعلان، وتستقطب الاستثمارات، وتطور المواهب، وتخلق وظائف، وتدعم الشركات المحلية العاملة في التقنية والإنتاج الإعلامي وتنظيم الفعاليات والخدمات الرقمية.
كما أن التوسع الدولي للبطولة يمنح السعودية فرصة لتعزيز موقعها في سوق عالمية سريعة النمو، عبر الجمع بين الاستضافة، وتطوير المواهب، واستقطاب الشركات، وبناء المحتوى، وتطوير التقنيات المرتبطة بالألعاب والرياضات الإلكترونية.

