حين دافع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، جياني إنفانتينو، عن الأسعار الفلكية لتذاكر كأس العالم 2026، متذرعا بـ "أسعار السوق الحرة" السائدة في الولايات المتحدة، رأى خبراء الاقتصاد مشهداً مغايراً تماماً، يتلخص في هندسة "فيفا" سوقا احتكارية وتوجيهها عمداً لتعظيم الإيرادات واعتصار جيوب المشجعين في كل مرحلة من رحلتهم نحو المدرجات بحسب مجلة "فورتشن".
هذا الغلاء التاريخي غير المسبوق دفع حكومة ولاية ومدينة نيويورك إلى التدخل لترميم الفجوة الطبقية التي خلفها الفيفا. فقد أعلنت الحاكمة كاثي هوشول عن تخصيص 6 ملايين دولار من أموال دافعي الضرائب لتنظيم حفل مشاهدة مجاني يتسع لـ 50 ألف مشجع في "سنترال بارك"، بهدف تمكين العمال والمواطنين ذوي الدخل المحدود من مشاهدة المباراة النهائية معاً، بعد أن أصبحت تكلفة حضورها في الملعب، الذي يبعد عنهم 20 دقيقة فقط، ضرباً من المستحيل.
قفزات تاريخية في الأسعار ورسوم خفية
في هذه النسخة هناك أرقام قياسية هائلة في تاريخ المونديال. فالأسعار الرسمية لنهائي 19 يوليو في ملعب "متلايف" بدأت من 2030 دولاراً لتصل إلى 6730 دولاراً للفئة الأولى. وبفضل نظام "التسعير القائم على الطلب" الذي يتبعه "الفيفا"، لم تقف الأسعار عند هذا الحد، بل تضاعفت بحلول شهر مايو لتصل التذاكر المتاحة إلى 32970 دولاراً. هذا الرقم خيالي عند مقارنته بـ 1600 دولار فقط لأغلى تذكرة في نهائي قطر 2022. وفي المجمل، تشير تقديرات روابط المشجعين الأوروبية إلى أن متابعة مشجع لمنتخب بلاده من البداية وحتى النهائي ستكلفه 6900 دولار كحد أدنى للتذاكر وحدها.
والأخطر من الأسعار المبدئية هي "السوق الخفية" التي شرعها "الفيفا". ففي هذه النسخة، ألغى الاتحاد سقف أسعار إعادة البيع في أمريكا وكندا بحجة منع البائعين من الذهاب إلى منصات خارجية. وبدلاً من ذلك، دشن "الفيفا" منصته الرسمية لإعادة البيع، وفرض رسوماً مجمعّة تبلغ 30% (15% من المشتري و15% من البائع)، ما يعني أنه يجني 30 دولاراً صافية عن كل 100 دولار تتداول في السوق الثانوية.
قال جود كيسلر، أستاذ اقتصاديات الأعمال والسياسة العامة في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، لمجلة "فورتشن": "ربما لا يرفعون الأسعار خوفًا من ردود الفعل السلبية، والقدرة على جني 30% في السوق الثانوية تتيح لهم تحصيل الأموال دون مواجهة الهجوم نفسه". فمظهر تذكرة سعرها 700 دولار يختلف في عين المستهلك عن تذكرة سعرها 500 دولار إضافة إلى رسوم 200 دولار تُدفع لاحقًا.
لكن في المكسيك، بفضل قوانينها الصارمة لحماية المستهلك وضغوطها الحكومية، اضطر "الفيفا" إلى وضع سقف لإعادة بيع تذاكر المباريات المقامة هناك بحيث لا تتجاوز قيمتها الأصلية، بينما ترك المشجع في السوق الأمريكية أمام الرسوم والأسعار الحرة.
شبهات تهريب التذاكر
لم تتوقف الأزمة عند الرسوم، بل امتدت لشبهات تلاعب بالمعروض. رصد فلوريان إيديرير، أستاذ الاقتصاد بجامعة بوسطن، اختفاءً مفاجئاً لنحو 44 ألف تذكرة من موقع الفيفا الرسمي، لتعود وتظهر فجأة على منصات تداول كبرى مثل "ستب هب" و"سيت جيك" بأسعار أقل وفي كتل مقاعد متجاورة ضخمة. ويرى إيديرير أن هذا النمط لا يمثل سلوك مشجعين عاديين، بل يرجح تفريغ "الفيفا" مخزونه سراً في السوق الثانوية للتخلص من التذاكر غير المبيعة مع الإبقاء على الأسعار الرسمية مرتفعة لتجنب الاضطرار إلى خفض الأسعار رسمياً وما يتبعه من مسؤوليات قانونية.
هذا السلوك الاحتكاري دفع مدعين عموميين في ولايتي نيويورك ونيوجيرسي إلى استدعاء "الفيفا" ومطالبته بالتحقيق تحت مسارين: الأول هو التلاعب بموقع المقاعد، حيث دفع مشجعو الفئة الأولى آلاف الدولارات بناءً على خرائط توضح أن مقاعدهم قريبة من خط المنتصف، ليتبين لاحقاً تحويلها لمصلحة باقات كبار الشخصيات. والمسار الثاني يركز على شبهة طرح التذاكر على مراحل زمنية متقطعة مصممة لرفع الأسعار بشكل مصطنع.
يرى كيسلر أن المشكلة هيكلية، فما دامت منصات السوق الثانوية تستقطع 30% من المعاملات، ويستفيد بائعو السوق الأولية من الضبابية خلف هذه الفجوة، فلا يوجد حافز لإصلاح النظام. ويقول: "أود أن أرى عالماً يستطيع فيه الفنانون والفرق الرياضية والاتحاد الدولي لكرة القدم بيع التذاكر للمشجعين الحقيقيين بأسعار معقولة، دون أن تباع هذه التذاكر لاحقاً بأسعار أعلى. لكن هذا يتطلب تغييرات في السوق الخفية."

