اعتاد مشجعو كرة القدم عبور القارات والبحار لمؤازرة منتخباتهم الوطنية في كأس العالم، المحفل الرياضي الأكبر. وتملأ أهازيجهم ونقاشاتهم الحماسية الساحات وتجمعات المشجعين. غير أن الصيف الحالي يشهد تحولاً مغايراً، إذ تواجه جماهير اللعبة نسخة طاردة ومنفرة لم تر في تاريخها، مدفوعة بأسعار تذاكر باهظة، وتكاليف تنقل داخلي مرتفعة، فضلاً عن التعقيدات الصارمة لشروط الدخول إلى الولايات المتحدة.
وبحسب صحيفة "ذا إندبندنت"، فإنه رغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة لحجم الجماهير الغائبة، فإن المؤشرات الأولية تؤكد تراجعاً ملحوظاً في التدفقات السياحية. فقد جاءت معدلات الحجوزات الفندقية في المدن الأمريكية المستضيفة أقل بكثير من التوقعات المبنية على النماذج التاريخية للبطولة. فمثلا، تشهد أوروجواي، المعروفة بشغفها الكروي الجارف، تراجعاً حاداً، إذ لم تسجل وكالات السفر المحلية سوى 3 آلاف باقة سياحية للمونديال الحالي، وهو رقم متدنٍ للغاية مقارنة بالنسخ السابقة.
اليوم، المونديال غير مقدور عليه مالياً للطبقات المتوسطة. ففي حين كان المشجعون يدخرون لسنوات لتغطية نفقات السفر، قفزت الأسعار الحالية لمستويات قياسية. قبل 4 أعوام، كان سعر تذكرة الفئة الثالثة لمباريات دور المجموعات يعادل 69 دولاراً، بينما يعرض الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" التذكرة ذاتها اليوم بسعر يصل إلى 265 دولاراً.
وعلى العكس من نسختي روسيا 2018 وقطر 2022، اللتين وفرتا تنقلاً مجانياً بين المدن المستضيفة، يفرض المونديال الحالي الموزع على 16 ملعباً عملاقاً متفرقا بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تكلفة تنقل باهظة يتكبدها المشجع بمفرده. علاوة على ذلك، تبنى اتحاد "فيفا" سياسة إعادة بيع جديدة تتيح للمشجعين تسعير تذاكرهم دون سقف محدد، مع اقتطاع الاتحاد لرسوم تبلغ 30%، مدافعاً عن هذه الأسعار بأنها "انعكاس للطلب القياسي".
ويرى محللون اقتصاديون وخبراء اجتماع أن هذه القفزات السعرية تهدد بتآكل الهوية الثقافية الفريدة لكأس العالم. فالمشجع الشغوف ذو الميزانية المحدودة يغيب لمصلحة السائح الثري الذي يبحث عن "تجربة ترفيهية" عابرة، ما يفقد البطولة أجواءها الحماسية المعتادة في حواضن المشجعين التقليدية مثل المقاهي.
أعرب تومونوري أكوتسو، المقيم خارج طوكيو والذي يحضر كأس العالم للمرة السادسة على التوالي، عن أسفه، مصرحًا بأنه كان سيعيد النظر في قراره لو علم التكلفة الحقيقية. ويرى أن الولايات المتحدة "أسوأ دولة مضيفة"، إذ أظهرت "انعدامًا تامًا للضيافة في كل جانب"، بدءًا من أسعار التذاكر وسوق إعادة البيع المبالغ فيه، وصولًا إلى الفنادق الباهظة ومهرجانات المشجعين المدفوعة. وقال أكوتسو: "ببساطة، انطباعي هو: هذه هي أمريكا، قمة الرأسمالية".
إلى جانب العبء المالي، تبرز شروط الدخول الأمريكية أبرز عائق أمام الزوار الدوليين. فبخلاف الإعفاءات والتسهيلات التي قدمتها روسيا وقطر لحاملي التذاكر، واجه المشجعون هذا العام إجراءات بالغة التعقيد، وصلت إلى حد فرض السلطات الأمريكية سندات مالية وضمانات تصل إلى 15 ألف دولار على مشجعي بعض الدول الإفريقية قبل السماح لهم بالدخول، وهي الشروط التي ألغيت قبيل انطلاق البطولة بالشهر الماضي لكنها تركت أثراً سلبياً على حركة الحجوزات.
وفي المقابل، تدافع الإدارة الأمريكية عن سياساتها التنظيمية. إذ تؤكد اللجنة الوزارية المشرفة على المونديال في البيت الأبيض منح الأولوية لمقابلات القنصلية لحاملي التذاكر، مشددة على أن "أمريكا ترحب بالجميع في النسخة التي ستكون الأكبر تاريخياً".

