بعد آخر مباراة احتضنتها «درة الملاعب سابقا ودرة المستقبل حاليا» في الأول من ديسمبر 2023، دخلت مدينة الملك فهد الرياضية رحلة إعادة تطوير أعادت تشكيل ملامح منشأة ارتبطت لنحو أربعة عقود بأبرز الأحداث الرياضية، لتقترب اليوم من الجاهزية لاستضافة كأس آسيا 2027.
ووصلت نسبة الإنجاز في المرحلة المرتبطة بالبطولة إلى 85%، فيما تجاوز المشروع 19 مليون ساعة عمل آمنة، ويعمل فيه حاليًا 17,459 مهندسًا وفنيًا وعاملًا، بحسب ما كشفت عنه وزارة الرياضة لـ«الاقتصادية» حول مستجدات التنفيذ والتحديات الهندسية للمشروع.
ومع تسارع وتيرة الأعمال، وصل عدد الأيدي العاملة في ذروة التنفيذ إلى 17,940، فيما تعمل فرق المشروع على مدار الأسبوع بنظام ورديتين متقاطعتين، ضمن الجدول الزمني المعتمد للوصول إلى الجاهزية المطلوبة لكأس آسيا.
وتكشف ساعات العمل حجم التحول في وتيرة التنفيذ؛ إذ كان المشروع قد تجاوز 8.3 مليون ساعة عمل آمنة في يناير، قبل أن يرتفع الإجمالي حاليًا إلى أكثر من 19 مليون ساعة.
شبكة تنفيذ محلية وعالمية
وبحسب وزارة الرياضة، تتولى مجموعة بن لادن السعودية أعمال المقاول الرئيس للمشروع، بينما تتولى شركة «AECOM» أعمال استشارات الإشراف، وهي من الشركات العالمية التي أشرفت على ملاعب في الولايات المتحدة، فيما تتولى «Mace» إدارة المشروع والتخطيط والتنسيق وتنفيذ الأعمال، بعد خبرات سابقة في ملاعب بالمملكة المتحدة، بينما تولت «Populous» تصميم الاستاد.
وتشارك في التنفيذ منظومة من الشركات والمقاولين والمصنعين المحليين والعالميين في تخصصات إنشائية وفنية متعددة، بالنظر إلى طبيعة المشروع وحجمه وتعقيد مكوناته، دون أن تحدد الوزارة عدد الشركات والمقاولين المشاركين حاليًا أو عدد الشركات السعودية بينهم.

صورة(2)
ومن أبرز الشركات العالمية المشاركة شركة ألمانية سبق لها تنفيذ السقف السابق للاستاد، واستعين بها لتنفيذ التصميم الحديث بالجودة والمتانة والهوية المرتبطة بالسقف السابق.
ويمتد الحضور المحلي إلى تصنيع مكونات رئيسية، تشمل مقاعد الاستاد ونسيج سقف الملعب وأعمال قصه ولحامه، ووحدات التكييف المركزية والمضخات، إلى جانب مشاركة شركات ومقاولين وموردين سعوديين في الأعمال المدنية والإنشائية والكهروميكانيكية والتشطيبات والتوريد والخدمات المساندة.
تطوير منشأة عمرها 40 عامًا
يصعب مقارنة إعادة تطوير مدينة الملك فهد الرياضية بمشاريع أخرى بالنظر إلى حجم الأعمال وتعقيدها، إذ يتعامل المشروع مع منشأة أنشئت قبل نحو 40 عامًا بتصميم فريد وهوية معمارية أيقونية.
وكان الحفاظ على إرث المدينة وهويتها المعمارية أحد أبرز التحديات، إذ تطلب المشروع دمجها ومواءمتها مع التصميم الحديث، مع المحافظة على الشكل العام والأصول الإنشائية القائمة.
وبدأت منهجية إعادة التطوير بفك الأصول القائمة وفق خطوات هندسية دقيقة وحذرة، بهدف تعظيم الاستفادة منها وإعادة استخدامها في المشروع أو في منشآت أخرى تابعة للوزارة.
وشملت الأعمال تفكيك السقف القديم والكوابل الحديدية بطريقة آمنة ومدروسة، مع المحافظة على أجزاء من الهيكل القائم وتقييم حالتها الإنشائية بواسطة شركات عالمية متخصصة، قبل تدعيمها ومواءمتها مع التصميم الحديث لضمان قدرتها على استيعاب الأحمال والمتطلبات الإنشائية الجديدة.
الوقت يفرض تسلسلًا هندسيًا
وبحسب وزارة الرياضة، شكل عامل الوقت شكل تحديًا رئيسيًا، خصوصًا مع طبيعة الأعمال المتداخلة وتسلسلها التنفيذي، إذ لم يكن بالإمكان البدء بإزالة السقف القديم قبل الانتهاء من فك الأصول، كما لم تبدأ أعمال الهدم إلا بعد إزالة السقف، ولم تنطلق أعمال التطوير الرئيسة إلا بعد استكمال هذه المراحل.
وواجه المشروع أيضًا تحديات لوجستية وتنفيذية معقدة، لا سيما في الأعمال المرتبطة بالسقف، التي تطلبت تنسيقًا دقيقًا بين فرق العمل والتخصصات المختلفة.
وشملت الأعمال تركيب 24 عمودًا قائمًا و24 عمودًا مائلًا وأكثر من 240 كابلًا معدنيًا، ثم رفع الكوابل وفق مراحل هندسية دقيقة ومدروسة، مع التنسيق المستمر مع الأعمال الأخرى في الموقع حتى استكمال عملية الرفع.
1900 طن فوق الهيكل
وبعد رفع الكوابل، انتقلت الأعمال إلى تركيب الهيكل الحامل للشاشة والشاشة الدائرية بزاوية 360 درجة، تمهيدًا لرفعها وتركيبها في موقعها النهائي.
وتعد هذه المرحلة من أكثر مراحل المشروع تعقيدًا نتيجة ضخامة المكونات وتداخل الأعمال وتسلسلها، إذ صُمم الهيكل لاستيعاب أحمال إنشائية تتجاوز 1900 طن، تشمل الشاشة وأنظمتها وجسور الصيانة والمكونات المرتبطة بها.
وتتكامل هذه العناصر مع سقف الملعب ونسيجه الإنشائي ضمن منظومة واحدة، ما تطلب تخطيطًا دقيقًا لمراحل التنفيذ، وإدارة متقدمة للعمليات اللوجستية، وتنسيقًا مستمرًا بين المقاولين والتخصصات، إلى جانب إجراءات استباقية لضمان استمرارية الأعمال وتقليل أي تأثير محتمل في البرنامج الزمني.
وأكدت الوزارة أنها تمكنت من الحد من تأثير التحديات في الجدول الزمني عبر التخطيط المسبق والتنسيق بين فرق التصميم والتنفيذ، وتسريع الأعمال التي يمكن تنفيذها بالتوازي، والمتابعة الدقيقة لمراحل المشروع، بدعم من القيادة ومتابعة دورية ومباشرة من وزير الرياضة.

صورة(3)
شاشة دائرية بمحيط 420 مترًا
تعد الشاشة الدائرية في مدينة الملك فهد الرياضية الأكبر في العالم من نوعها بشكلها الدائري بزاوية 360 درجة، بمحيط يبلغ 420 مترًا، فيما تأتي ثالثة عالميًا من حيث مساحة الشاشات الدائرية، مقارنة بشاشتي ملعبي «SoFi» في لوس أنجلوس و«Mercedes-Benz Stadium» في أتلانتا بالولايات المتحدة.
21 ألف طن تعود إلى دورة الاستخدام
وفي جانب الاستدامة، تجاوز المشروع مستهدف إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم، بعدما أعيد تدوير أكثر من 21 ألف طن بنسبة 87%، مقابل مستهدف 75% ضمن متطلبات شهادة الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة «LEED».
ويعكس تجاوز المستهدف تطبيق ممارسات الاستدامة في إدارة مخلفات البناء والهدم، وتعظيم الاستفادة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام والتدوير، بما يسهم في تقليل الأثر البيئي ودعم مستهدفات المشروع.
ومع وصول إنجاز مرحلة كأس آسيا إلى 85%، انتقلت إعادة تطوير «درة الملاعب» من عمليات تفكيك الأصول والسقف القديم إلى تركيب أكثر عناصر المنشأة تعقيدًا، فيما يبقى الجدول الزمني مرتبطًا بهدف معلن: اكتمال المشروع وجاهزيته لكأس آسيا.

