في الوقت الذي ارتبطت فيه رياضة الملاكمة لعقود بأسماء بشرية صنعت تاريخها داخل الحلبة، من محمد علي كلاي إلى فرانسيس نجانو، بدأت الآلات البشرية في اختبار حضورها داخل المساحة نفسها.
ففي العاصمة السعودية الرياض، دخلت 10 روبوتات حلبة ملاكمة كاملة الحجم، في تجربة تجمع الروبوتات والذكاء الاصطناعي بالرياضة، ضمن فعالية «سايبر هيرو»، في خطوة تفتح الباب أمام شكل جديد من المنافسات الرياضية المدفوعة بالتكنولوجيا.
التجربة، التي وصفت بأنها الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، لم تكن مجرد استعراض لقدرات روبوتية، بل جزءًا من توجه يستهدف نقل تقنيات «الذكاء الاصطناعي المادي» من المختبرات إلى ساحات المنافسة الجماهيرية، مع خطط للتوسع مستقبلًا إلى 8 مدن حول العالم.
73 مترا و85 كيلوجرامًا.. روبوتات بمواصفات بشرية
اعتمدت المنافسة على روبوتات بشرية من طراز EngineAI T800، يبلغ طول الواحد منها نحو 1.73 متر، فيما يراوح وزنه بين 75 و85 كيلوجرامًا، ويضم 29 مفصلًا متحركًا.
وتتيح هذه البنية للروبوت تنفيذ مجموعة واسعة من الحركات، تشمل المشي والجري واللكم والركل والدوران، إضافة إلى النهوض بعد السقوط، وهي قدرات تقرّب الروبوتات خطوة إضافية من محاكاة الحركة البشرية في البيئات الديناميكية.
وتصل قدرة عزم الدوران للمفصل الواحد إلى نحو 450 نيوتن، وفق المواصفات الواردة عن الروبوت المستخدم في التجربة، بما يعكس التطور المتسارع في قدرات الروبوتات البشرية على الحركة وتنفيذ المناورات القتالية.
«المستقبل يحدث الآن»
داني تانج، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «هيرو إي سبورتس»، قالت لـ"الاقتصادية": إن فعالية «سايبر هيرو» تمثل أول تجربة من نوعها في الشرق الأوسط، مشيرة إلى استعراض 10 روبوتات بشرية داخل حلبة ملاكمة كاملة الحجم من شركة EngineAI.
وأوضحت أن روبوتات T800 جاءت إلى السعودية للمشاركة في منافسات القتال والـ«فوتبول» الروبوتية، مضيفة أن أداءها كان لافتًا ومثيرًا لاهتمام الحضور.
وأشارت تانج إلى أن EngineAI تعد من الشركات الصينية الرائدة في تصنيع وتطوير الروبوتات، ووصفت العرض القتالي الذي قدمته في الرياض بأنه تجربة «رائعة»، مؤكدة تطلع الشركة إلى استقدام مزيد من الروبوتات البشرية إلى مسابقات القتال المستقبلية في المنطقة.
هل تستطيع الروبوتات منافسة أقوى الملاكمين؟
مع دخول الروبوتات إلى الحلبة، يبرز سؤال أكثر إثارة: هل يمكن أن تصل الآلات في المستقبل إلى مستويات القوة والسرعة التي يتمتع بها أفضل الملاكمين؟
يرتبط اسم الملاكم الكاميروني فرانسيس نغانو بقياسات استثنائية لقوة اللكمة، فيما أصبحت قوة ضربته جزءًا من صورته الرياضية العالمية. غير أن إجراء مقارنة مباشرة بين قوة لكمة روبوت وقوة لكمة ملاكم محترف يتطلب معايير قياس موحدة تشمل القوة والسرعة والطاقة والمسافة وطريقة تسجيل الضربة.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي للروبوتات لا يقتصر على إنتاج ضربة قوية، بل يتمثل في القدرة على الجمع بين القوة والدقة والسرعة والتوازن والاستجابة والتحمل في منظومة واحدة.
لماذا بدأت المنافسة بالملاكمة؟
اختيار رياضة الكيك بوكسينج، أو الملاكمة القتالية، كنقطة انطلاق لم يكن مصادفة.
وترى «هيرو إي سبورتس» أن الرياضات القتالية من أكثر الصيغ وضوحًا بالنسبة للجمهور لفهم قدرات الروبوتات الحالية، إذ تسمح الحلبة بإظهار جوانب متعددة من أداء الآلة في وقت واحد، بدءًا من الحركة والتوازن، وصولًا إلى سرعة الاستجابة وتنفيذ الضربات.
ومن منظور ترفيهي، توفر هذه الرياضات أيضًا تجربة بصرية مباشرة يمكن للجمهور فهمها بسهولة، مقارنة بتطبيقات روبوتية أكثر تعقيدًا يصعب تحويلها إلى منافسة جماهيرية.
الإنسان لن يغادر الحلبة
ورغم أن الروبوت هو نجم المشهد، فإن الإنسان سيظل حاضرًا في قلب المنافسة، وفق رؤية «هيرو إي سبورتس».
وتقول تانج إن المشاركة البشرية ستأخذ أشكالًا متعددة، تبدأ من المصنعين والمطورين، وهم المهندسون والمبدعون المسؤولون عن تصميم الروبوتات وتطويرها، مرورًا بالمبرمجين الذين يعملون على نماذج اللغة الكبيرة وأنظمة التحكم والسياسات وتدريب الروبوتات، وصولًا إلى المشغلين الذين يديرون الأجهزة ويتحكمون في تشغيلها.
وهذا يعني أن المنافسة الروبوتية لا تلغي دور الإنسان، بل تعيد توزيعه؛ فالمهندس والمبرمج والمشغل يصبحون جزءًا من الفريق الرياضي الجديد.
من الرياض إلى 8 مدن حول العالم
وترى الشركة أن فعالية الرياض ليست سوى البداية. وبحسب تانج، تعمل «هيرو إي سبورتس» على توسيع «سايبر هيرو» إلى 8 مدن حول العالم، ضمن سلسلة من المنافسات التي لن تقتصر على الكيك بوكسينج، بل ستشمل تخصصات رياضية أخرى قيد الإعداد.
وتتوزع الرؤية المستقبلية على 4 مناطق رئيسية هي: الشرق الأوسط وأوروبا والأمريكتان وآسيا، على أن تستضيف منطقة الشرق الأوسط محطتين من أصل 8 محطات.
ويعكس هذا التوسع محاولة لبناء دوري عالمي جديد للرياضات الروبوتية، لا يكتفي بعرض التكنولوجيا، وإنما يحولها إلى منافسة لها جمهور وقواعد ومراحل وبطولات.
«هيرو إي سبورتس» تنقل خبرتها إلى عالم الروبوتات
تملك «هيرو إي سبورتس» خبرة واسعة في تنظيم المنافسات الجماهيرية، إذ تنظم أكثر من 7 آلاف مسابقة للرياضات الإلكترونية سنويًا، وتصل فعالياتها إلى مئات الملايين من المشجعين حول العالم.
كما تحظى الشركة بدعم من «سافي جيمز جروب» و«تينسنت»، وتدير وتنتج عددًا من أبرز دوريات وبطولات الرياضات الإلكترونية، عبر ألعاب مثل Honor of Kings وPeacekeeper Elite وLeague of Legends وVALORANT، إضافة إلى عملها شريكًا في الصين لـ«كأس العالم للرياضات الإلكترونية».
ويمثل دخولها عالم الروبوتات امتدادًا طبيعيًا لهذا النموذج، لكن مع تغيير جوهري: الانتقال من المنافسة داخل العالم الرقمي إلى منافسات تجري بأجسام وآلات تتحرك في العالم الحقيقي.
السعودية كسوق محورية
تولي الشركة السوق السعودية أهمية خاصة ضمن خططها المستقبلية، بحسب تانج، التي أشارت إلى أن حضور «سايبر هيرو» في المملكة لن يقتصر على تنظيم المنافسات، بل سيشمل تطوير المواهب وبناء علاقات طويلة المدى بين الشباب والشركات والمؤسسات في السعودية والصين.
وهنا تتجاوز التجربة حدود الرياضة والترفيه، لتلامس قطاعات الهندسة والبرمجة والذكاء الاصطناعي والروبوتات، بما قد يفتح مسارات جديدة أمام المواهب الشابة للتخصص والعمل في قطاع سريع النمو.
الحلبة الجديدة.. منافسة بين الإنسان والآلة
قد يكون من المبكر الحديث عن استبدال الملاكمين بالروبوتات، أو تصور مواجهة مباشرة بين روبوت وأحد أبطال العالم وفق قواعد الملاكمة الاحترافية.
لكن ما جرى في الرياض يثبت أن العلاقة بين الرياضة والروبوتات دخلت مرحلة مختلفة.
فالآلة أصبحت قادرة على المشي والجري واللكم والركل واستعادة توازنها بعد السقوط، والشركات بدأت تخطط لتحويل هذه القدرات إلى مسابقات جماهيرية منظمة.
وبينما كان محمد علي كلاي رمزًا لقوة الإنسان ومهارته داخل الحلبة، ويجسد نغانو في العصر الحديث صورة القوة البدنية الاستثنائية، تطرح الروبوتات سؤالًا جديدًا على الرياضة: هل سيكون البطل القادم إنسانًا، أم آلة، أم فريقًا يجمع بين الاثنين؟، وقد تكون الإجابة الأولى بدأت من الرياض.

