بينما تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم نحو الملاعب الأمريكية لمشاهدة مباريات كأس العالم 2026، تكمن خلف تلك الملاعب قصص لا علاقة لها بالساحرة المستديرة فالولايات التسع التي تستضيف أغلب لقاءات البطولة ليست مجرد مدن في الفراغ، بل عجلات مسننة عملاقة تبلغ قيمة ما تنتجه 14.1 تريليون دولار بما يوازي نصف اقتصاد الولايات المتحدة بحسب الأرقام الرسمية حيث ينظر إليها الأمريكيون باعتبارها مصدر ثرواتهم ومهد ثقافتهم وهويتهم الوطنية أما الأجانب والزوار فيعتبرون تلك الأماكن موطن عن اختراعات غيّرت من حياتهم اليومية.
كاليفورنيا.. مصنع الآيفون
يعرف الجمهور كاليفورنيا كولاية تقام فيها بعض المباريات لكن لا يعرفون أنها تأسست 1850 وتسمى "الولاية الذهبية" لأن من أسسوها مغامرون جاءوا إليها بحثًا عن الذهب، وحديثًا تحولت إلى "الذهب الرقمي" إذ تحتضن وادي السيلكون الذي يعتبره الأمريكيون مصدرًا لثروتهم وريادتهم ففيه مقار عمالقة التكنولوجيا مثل إنتل وإنفيديا وغيرهم من شركات وصل حجم أرباحهم 2.5 تريليون دولار بحسب "فاينانشيال تايمز" ما جعل من كاليفورنيا القوة الاقتصادية الخامسة عالميًا بمساهمة 14% من إجمالي الدخل القومي للولايات المتحدة، ولغير الأمريكيين تعد المدينة سببًا أساسيًا في تغيير حياتهم فعلى بعد 8 أميال من ملعب "سان فرانسيسكو" الذي تقام فيه المباريات تقع شركة أبل المصنعة لــ"الآيفون" الذي يستخدمه 1.5 مليار إنسان بمعدل 1 من 4 أشخاص في العالم.
واشنطن..ولاية المزاج العالمي
تأسست واشنطن 1889 وهي الوحيدة المسماة على اسم رئيس أمريكي "جورج واشنطن" ويعدها الأمريكيون رمزًا للفخر لكنها لم تتوقف عند التاريخ، ففي 1916 احتضنت تأسيس شركة بوينج للطائرات التي تحتل الآن المرتبة الثانية عالميًا في قطاع الطيران وتسيطر على 40% من طائرات العالم بأرباح وصلت 576 مليار دولار، كما أدى وجود شركة مايكروسوفت في واشنطن إلى جعلها مسيطرة على أنظمة تشغيل وبرمجيات 80% من حواسيب سكان الأرض وفقًا لـ"الجارديان"، وليكتمل التحكم في "مزاج الكوكب" احتضنت في 1971 تأسيس "ستاربكس" الذي يسيطر على 48% من سوق مقاهي القهوة لتصبح واشنطن التي يسميها الأمريكيون " الولاية دائمة الخضرة" نظرًا لغاباتها الكثيفة ركيزة اقتصادية تساهم بـ700 مليار دولار من إجمالي الدخل الأمريكي.
نيوجيرسي وتكساس.. صيدلية العالم وأرض الصواريخ
في المونديال لا أحد ينافس نيوجيرسي التي تستضيف نهائي البطولة بملعب "ميتلايف" لكن الولاية الأمريكية لا تقدم عشبا جيدا فقط بل هي مسؤولة عن 30% من صناعة الدواء العالمي باحتضانها أكبر شركات الأدوية مثل جونسون آند جونسون وغيرها ما جعل بعضهم يسميها بـ"صيدلية العالم"، ويسميها آخرون "بديل لاس فيغاس" لضمها أضخم المنتجعات الساحلية التي تساهم بـ900 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، عكسها تمامًا تأتي تكساس صاحبة ثاني أضخم اقتصاد أمريكي بناتج 2.9 تريليون دولار نظرًا لكونها المقر الرئيسي للنفط والغاز وبالنسبة للأمريكيين فهي المدينة المسؤولة عن وقود سياراتهم، وهي المسؤولة أيضًا عن مستقبلهم إذ تحتضن الولاية المقر الرئيسي للتحكم بصواريخ الفضاء لوكالة "ناسا" وإطلاق مركبات "سبيس إكس".

فلوريدا وجورجيا.. ولاية الترفيه وموطن الكولا
اعتادت فلوريدا على تقديم المتعة للزائرين على مدى عقود، فبجانب استضافة بعض المباريات تعد الولاية عاصمة الترفيه الأولى عالميا لأن فيها "والت ديزني" التي تستقبل سنويًا 58 مليون زائر يسجلون أرباحا تصل إلى 30 مليار دولار وبعيدًا عن الأرقام فتلك المدينة ينظر إليها الأمريكيون وغيرهم باعتبارها صانعة "أحلام الطفولة" والقوة الناعمة التي دخلت كل بيوت العالم على مدى سنوات طويلة.
أما الجارة جورجيا التي يبلغ ناتجها المحلي 880 مليار دولار فتتربع على عرش السياحة بمطار " هارتسفيلد – جاكسون" الذي يعد من أضخم مطارات العالم وبفضله يزور الولاية سنويًا 174 مليون زائر، لكن الإنجاز الأكبر لـ"جورجيا" بدأ من معمل صغير تمكن فيه الكيميائي "جون ستيث" من خلط سائل ملون بالكراميل مع الماء المكربن لتصنيع علاج للصداع، ليتطور هذا المشروب إلى "كوكاكولا" الذي بدأ بيعه بـ9 أكواب يوميًا في عامه الأول واليوم يستهلك سكان الأرض ملياري عبوة يوميًا وفقًا لبيانات الشركة التي غيّرت من ثقافة الكوكب حين أطلقت في الثلاثينات حملة دعائية أعادت فيها رسم شخصية "بابا نويل" وألبسته رداء أحمر وأبيض ليتطابق مع ألوان شعارها وصار مرادفًا للسعادة والفرحة.
ولايات القوة الناعمة
ملاعب "كانساس سيتي" و"بوسطن" و"فيلادلفيا" بالنسبة لمتابعي المونديال ساحات لمباريات مهمة بينما يعتبر الأمريكيون ولايات تلك الملاعب هي التي شكلت روحهم الثقافية والتاريخية، فولاية بنسلفانيا التي تحتضن ملعب "فيلادليفا" هي مهد ولادة الولايات المتحدة نفسها إذ شهدت على توقيع إعلان الاستقلال وكتابة الدستور الأمريكي في 1787 إضافة إلى دورها الصناعي وقوتها الناعمة المتجسدة في صناعة الحلويات العالمية وأشهرها شوكلاتة "هيرشيز".
أما ماساتشوستس فلا تضم ملعب "بوسطن" فقط بل تقع فيها جامعتا "هارفارد" و"إم آي تي" ما جعلها تستحق لقب "مصنع العقول العالمي"، كما أنها جامعة للفنون باعتبارها موطن أوركسترا "ذا بوسطن بوبس" التي كانت سببًا في وضع الولايات المتحدة على خريطة الموسيقى الكلاسيكية العالمية، تمامًا كجارتها ميزوري التي تحتضن استاد "كانساس" إذ تعد الجسر الثقافي الذي عبر منه الأمريكيون نحو العالم باعتبارها الولاية التي خرجت منها موسيقى البلوز والجاز وتطورت فيها موسيقى "الهيب هوب" و"الروك آند رول" التي تسيطر على 54% من سوق الموسيقى العالمي الآن وأرباحها تتخطى الـ420 مليار دولار وفقًا لجمعية صناعة التسجيلات الأمريكية، إضافة إلى ذلك تحتوي ميزوري على مصانع عسكرية تنتج أشهر الطائرات المقاتلة مثل "إف 15"، والسؤال الآن: هل تستغل جماهير المونديال الذي تجاوز عددهم 6 ملايين مشجع فرصة الوجود في تلك الولايات لمعرفة وجهها الآخر وثقافاتها المتعددة؟

