د. بكر عبد اللطيف الهبوب
اليوم الوطني السعودي ليس ذكرى عابرة نستعيدها كل عام، ولا مناسبة تختزل في مظاهر الاحتفال؛ بل هو موعد سنوي لإعادة قراءة مسار تاريخي انتقلت فيه الجزيرة العربية من تفرق المجال السياسي إلى وحدة الوطن، ثم من الوحدة إلى ترسيخ الكيان، ومن ترسيخ الكيان إلى صناعة التأثير العالمي وإلى تحقيق القوة الاقتصادية المستمرة في النمو حتى الآن.
في 1727، ارتبط قيام الدولة السعودية الأولى بالإمام محمد بن سعود في الدرعية، في مرحلة اتسمت بتعدد المراكز السياسية وتباعدها في الجزيرة العربية. وبعد ذلك بقرون، جاء الملك عبدالعزيز ليعيد تأسيس الدولة الحديثة ويوحد البلاد؛ واستمر مشروع التوحيد حتى صدر الأمر الملكي بتوحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية في 23 سبتمبر 1932.
وبين هذين التاريخين، وصولًا إلى اليوم، نقرأ ذاكرة تأسيسية ومسارًا تاريخيًا أعاد صياغة فكرة الدولة في صورتها الحديثة. فتوحيد البلاد كان بداية حقبة جديدة؛ إذ أتاح استقرار الأمن ترسيخ أركان الحكم، وبناء المؤسسات، وإقامة القواعد التي تنظم المجتمع والاقتصاد. ومن هنا انتقلت السعودية من توحيد الأرض إلى بناء دولة حديثة ذات مؤسسات وقدرات تنافسية عالمية.
وتكتسب التجربة السعودية خصوصيتها من أن هذا البناء الحديث لم ينفصل عن مرجعيته الإسلامية. فالقرآن الكريم والسنة النبوية يمثلان المرجعية العليا للدولة، كما ينص النظام الأساسي للحكم، وفي الوقت نفسه تطورت المنظومة التشريعية لتستوعب متطلبات الدولة والاقتصاد الحديث. فالمرجعية تمنح الاتجاه، والتشريع يحول المبادئ إلى قواعد، والمؤسسات تنقل القواعد إلى ممارسة، والنتائج تمنح المشروع قدرته على الاستمرار.
وإذا كان التاريخ يروي كيف تأسست السعودية، فإن مسيرة التنمية تكشف عن كيف طوّرت قدراتها، مستندةً إلى هويتها العربية ومرجعيتها الإسلامية، ومضطلعةً بمكانتها ومسؤوليتها في العالم الإسلامي، ومدافعةً عن قضاياه العادلة، ومتشرفةً بخدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن.
وقد حوّلت السعودية مواردها وإمكاناتها إلى أدوات للنهوض، ووسائل لترسيخ حضورها، وسبلٍ لأداء رسالتها تجاه شعبها وأمتها والعالم. ومن هذا التلاقي بين الرسالة والموارد نشأت قطاعات وطنية أعادت تعريف الاقتصاد السعودي؛ فلم يعد النفط موردًا يستخرج ويصدّر فحسب، بل تحول إلى قاعدة لمنظومة متكاملة تمتد من الإنتاج والتكرير والبتروكيماويات إلى الاستثمار في مصادر الطاقة الجديدة والتقنيات منخفضة الانبعاثات، لترسخ السعودية دورها في أمن الطاقة العالمي. وفي الصناعة والتعدين، تحولت ثروات الأرض إلى سلاسل قيمة تتجاوز تصدير المواد الخام إلى إنتاج السلع، وتوطين المعرفة، وفتح الأسواق، فيما أصبحت «صنع في السعودية» عنوانًا لطموح صناعي متنامٍ.
وفي الزراعة والغذاء، تحولت محدودية المياه والظروف المناخية من تحدٍ دائم إلى حافز لتطوير تقنيات الإنتاج، وسلاسل الإمداد، والمخزون الإستراتيجي؛ فأصبحت المنتجات الزراعية، والثروة الحيوانية، والمصايد السمكية، جزءًا من منظومة الأمن الغذائي وتعزيز الاكتفاء الذاتي. أما المياه، فقد انتقل شحها من كونه تحديًا وجوديًا إلى مجال للريادة، عبر تطوير صناعة متقدمة في تحلية المياه وتقنياتها.
وفي التقنية، لم تعد الاتصالات والرقمنة مجرد وسيلة لتحسين الخدمات، بل أصبحت بنية تحتية لاقتصادٍ جديدٍ يقوم على البيانات والذكاء الاصطناعي والحوسبة والابتكار. وفي اللوجستيات، أعادت السعودية توظيف موقعها بين القارات عبر الموانئ والمطارات والمناطق اللوجستية وسلاسل الإمداد.
وتحولت رحلة الشتاء والصيف إلى قصة جديدة للسياحة والثقافة والرياضة والترفيه، تعيد اكتشاف المكان وتفتح روافد للاقتصاد والحضور الدولي، فيما انتقل التعليم من مكافحة الأمية وبناء التعليم العام إلى الجامعات والابتعاث والبحث والابتكار، بما أسهم في بناء رأسمال بشري أصبح أساسًا للتنمية ومحركًا لقطاعات متعددة.
ومن المهم ألاَّ تُقرأ هذه القطاعات بمعزل عن سياق نضجها التاريخي؛ فهي تكشف عن مسار متصل في توظيف الموارد وتنويع الاقتصاد، وبناء القدرات وصناعة القيمة، بما يعكس كيف تحولت الوحدة الوطنية إلى قدرة على إنتاج القوة وصناعة التأثير. فالجغرافيا التي وحّدها الملك عبدالعزيز، وكانت يومًا تحديًا سياسيًا ولوجستيًا، أصبحت اليوم ميزة اقتصادية؛ يتجلى فيها معنى الوحدة في تحويل المكان إلى قيمة، والموارد إلى قدرة، والتاريخ إلى مستقبل.
وقد لخَصَّ الملك المؤسس هذا الطموح بقوله: «سأجعل منكم شعبًا عظيمًا، وستستمتعون برفاهية هي أكبر كثيرًا من تلك التي عرفها أجدادكم». لقد أصبح وعد المؤسس، رحمه الله، مسؤوليةً متجددةً أمام الأجيال .فالدولة التي بدأت من الدرعية ووحّدها الملك عبدالعزيز من الرياض، تواصل بناء مستقبلها بالقانون والمؤسسات والاقتصاد والمعرفة والتقنية؛ ليغدو 23 سبتمبر أكثر من ذكرى لتوحيد البلاد، بل عهد يكتب فيه كل جيل فصلًا جديدًا من الملحمة، ويضيف إلى الإرث قبل أن يسلمه لمن بعده.
مستشار قانوني
