تتجه البوصلة الاقتصادية العالمية اليوم نحو منطقة رمادية لم نعهدها منذ عقود، حيث تتهاوى نظرية "الميزة التنافسية" التي أرست دعائم التجارة الحرة، أمام منطق بنيوي جديد يمكن وصفه بـ"التجارة الجيوسياسية المدارة".
إن المفاوضات الشاقة الجارية حالياً بين بروكسل وبكين حول ملف السيارات الكهربائية تتجاوز في جوهرها لغة الأرقام والنسب الجمركية، لتعلن رسمياً نهاية حقبة كان فيها "ذكاء الإنتاج" هو الحكم الأوحد، وبداية مرحلة يصبح فيها "السعر" أداة إستراتيجية تُصاغ خلف الأبواب الموصدة قبل أن تصل إلى صالات العرض.
إن لجوء الاتحاد الأوروبي إلى تفعيل آلية "التعهدات السعرية" كبديل متطور عن الرسوم الجمركية التقليدية، يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة صانع القرار الاقتصادي الغربي. فنحن لا نمر بمجرد إجراء وقائي، بل نشهد محاولة منهجية لفرض "توازن قسري" في هيكل الأسعار الدولي، فبدلاً من ترك السوق تحدد القيمة العادلة بناءً على توازنات العرض والطلب، تتدخل الإرادة السياسية لترسيم "أرضية سعرية" تضمن بقاء المنتجين الأوروبيين داخل دائرة المنافسة.
هذا الإجراء هو اعتراف صريح بأن القواعد التقليدية لمنظمة التجارة العالمية باتت عاجزة عن استيعاب نموذج "رأسمالية الدولة" الذي تتبعه الصين، ما دفع أوروبا لابتكار أدوات حماية هجينة تزاوج بين نصوص القانون ومقتضيات المصالح القومية.
بالنسبة للقادة التنفيذيين والمخططين الإستراتيجيين، يفرض هذا المشهد إعادة تعريف شامل لمفهوم "المخاطر"، إذ لم تعد تكلفة المنتج تُحسب بناءً على كفاءة سلاسل التوريد أو رخص الأيدي العاملة، بل أصبحت "الجغرافيا السياسية" عنصراً ثابتاً في ميزانية أي مشروع طموح.
إن الذاكرة الأوروبية لا تزال مثقلة بتبعات 2013، حين فقدت القارة ريادتها في قطاع الطاقة الشمسية نتيجة تمسكها الحرفي بقواعد الانفتاح، وهي اليوم ترفض تكرار السيناريو ذاته في قطاع السيارات، الذي يشكل العمود الفقري للناتج المحلي الإجمالي في القارة العجوز. وبناءً عليه، يتم استخدام "قوة الوصول إلى السوق" كمقايضة إستراتيجية: إما القبول بأسعار "مهندسة" تحقق التوازن، أو نقل مراكز الثقل التكنولوجي والمصانع إلى داخل الحدود الأوروبية لضمان البقاء.
تُعيد هذه التطورات رسم ملامح النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين، حيث تتراجع "الرفاهية الاستهلاكية" القائمة على السلع الرخيصة، لتتقدم عليها "السيادة الصناعية" القائمة على تأمين التكنولوجيا وتوطين المعرفة.
في هذا الواقع الجديد، لم تعد القوة الاقتصادية تُقاس بحجم التبادل التجاري الصافي، بل بالقدرة على التحكم في مفاصل صناعات المستقبل، مثل البطاريات وأشباه الموصلات. إن العالم ينتقل من مرحلة "العولمة المطلقة" إلى مرحلة "العولمة الانتقائية"، حيث تُبنى الشراكات التجارية بناءً على توافق القيم والمصالح الأمنية قبل الجدوى الاقتصادية البحتة.
في نهاية المطاف، يتوارى السؤال التقليدي الذي حكم الفكر الاقتصادي لقرن مضى: "من ينتج بأقل تكلفة؟"، ليحل محله سؤال أكثر حزماً في تقرير مصير الأمم: "من يملك النفوذ الكافي لفرض شروط اللعبة، وضمان ألا يتحول الاعتماد التجاري إلى سلاح يُستخدم ضده؟". إن هذه الاتفاقيات السعرية ليست سوى المسودة الأولى لكتاب قواعد جديد، حيث السيادة هي السلعة الأغلى، والسياسة هي المحركة الحقيقية للأسواق.
مستشار في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
