أحمد العبكي
لعل أكبر التحديات التي تواجه الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) اليوم ليست في السوق، وإنما في نماذج العمل التي استمرأتها لسنوات طوال.
شركة تعتقد أن الحجم وحده يكفي للتعامل مع الأطراف الأخرى بالطريقة التي تراها مناسبة دون الاكتراث بما يلزم لرؤى الآخرين، وأن التاريخ قادر على حماية المستقبل.
لكن، كما يقول عالم الإدارة بيتر دراكر "أكبر خطر في أوقات الاضطراب ليس الاضطراب نفسه، بل العمل بمنطق الأمس"، وهذا تحديدا ما يضع "سابك" اليوم في قلب المأزق.
حين تهبط الأرباح من أكثر من 21 مليار ريال في 2022 إلى نحو 3 مليارات فقط في 2023، مع خسائر فصلية بمليارات الريالات، فالمسألة ليست دورة اقتصادية عابرة كما قد يفسرها عديدون، المسألة أعمق من ذلك بكثير. إن واقع الشركة الحالي ليس وليد اليوم، إنما نتيجة تراكم سنوات طويلة من التأجيل، وتأجيل القرار في الصناعة مكلف.
الفارق بين "سابك" ومنافسيها لم يعد في الحجم، لكن في جودة الربح، إذ إن شركات مثل "BASF" و"Dow" تستثمر مليارات في البحث والتطوير لصناعة أسواق جديدة، بينما بقيت "سابك" مكشوفة على الكيماويات الأساسية في سوق لم يعد يكافئ التكرار، بل الابتكار، حتى أصبحت "سابك" أول من يتألم عند الهبوط، وآخر من يتعافى.
الشركة اعتمدت طويلا على نموذج (ننتج أكثر نربح أكثر)، هذا النموذج انتهى، فالسوق اليوم يكافئ من يبتكر لا من يكرر، ومن يصنع قيمة لا من يضخ كميات، ومن يراهن على الماضي، فالواقع يقول غير ذلك. ومع صعود الصين إلى نحو 29% من طاقة البولي أوليفينات بحلول 2030، تتزايد ضغوط المعروض على الأسعار والهوامش.
تقارير "Deloitte" تؤكد الفجوة بوضوح، حيث تصل هوامش الكيماويات المتخصصة إلى 18%–22% مقابل 4%–6% فقط للكيماويات الأساسية، وهو ما يعني أن الرهان لم يعد على حجم الإيرادات، إنما على ذكاء الربحية في سوق عالمية يعاد تشكيلها تقوده آسيا.
وفي سوق عالمية بلغت قيمته 674 مليار دولار في 2025، ومتجه إلى نحو تريليون دولار بحلول 2034، وفق "Fortune Business Insights"، تهيمن آسيا بأكثر من 52% من الحصة السوقية. هذا ليس مجرد نمو، إنما إعادة توزيع للقوة الصناعية عالميا.
حتى التوسعات الخارجية، التي كان يفترض أن تكون بوابة لتعزيز العوائد، تحولت في بعض الحالات إلى عبء رأسمالي ثقيل، فالتخارج من بعض الأصول خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن الأمر يتجاوز ذلك بمراحل، ما يحدث أقرب إلى محاولة تصحيح مسار بعد أن انحرف، لا قبل أن ينحرف.
اليوم، تواجه "سابك" 3 تحديات في وقت واحد، تتمثل في منافسة أكثر شراسة من آسيا وأمريكا، تحول عالمي سريع نحو المواد المستدامة، وضغط مستمر على الهوامش بسبب وفرة المعروض، والمعضلة الحقيقية هي أن قواعد اللعبة نفسها تغيرت.
هنا يأتي د. فيصل الفقير الذي تولى الرئاسة التنفيذية للشركة مطلع الشهر الحالي في توقيت صعب، وظروف معقدة لا تحتمل الحلول التقليدية، أو النمطية، ولا رفاهية الوقت. الرجل يأتي برصيد مهني ثقيل، تشكل في بيئات تشغيلية لا تقبل الخطأ، ولا تعترف بالحلول الوسط، حيث لا تدار الأعمال بالشعارات، وإنما بالأرقام والانضباط والقدرة على اتخاذ قرارات غير شعبية حين تكون ضرورية. التحدي أمامه ليس تحسين نتائج ربع أو عام، بل تفكيك نموذج قديم واستبداله بآخر جديد يواكب المرحلة الحالية والمستقبلية في آن.
القرارات المطلوبة لن تكون مريحة، حتى لو كان الثمن صادما على المدى القصير، طالما ستركز على إعادة تشكيل المحفظة، والتخلي عن أنشطة لم تعد مجدية، والدفع بقوة نحو منتجات ذات قيمة أعلى.
استمرار النهج الحالي يعني البقاء تحت رحمة دورات السوق، وشركة بحجم "سابك" لا يفترض أن تكون رهينة تقلبات، وإنما صانعة لها. ما تحتاجه "سابك" اليوم إستراتيجية جديدة، وقرارات لا تخشى تغيير نهج الشركة المألوف دون تردد، والأهم من ذلك سرعة تنفيذ لا تحتمل التأجيل.
إلى وقت قريب كنا نتساءل، هل تتحسن نتائج الشركة، حتى أصبح هذا السؤال غير كافٍ، والسؤال الجوهري الآن: هل تملك "سابك" الشجاعة لتغيير نفسها قبل أن تفرض السوق التغيير عليها؟. وهنا فقط يمكن أن نعرف، عما إذا كان لدى الرئيس التنفيذي الجديد الممكنات اللازمة لإنقاذ "سابك"، أم أن الوقت لم يعد متاحا لإنقاذ العملاق البتروكيماوي.
مدير تحرير في صحيفة الاقتصادية
