الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

هل يسدد الذكاء الاصطناعي ديون الغرب؟

كينيث روجوف
الأربعاء 15 أكتوبر 2025 13:24 |4 دقائق قراءة


كينيث روجوف

لا شك في أن الذكاء الاصطناعي يغير الاقتصاد العالمي بسرعة غير مسبوقة. ولكن هل ينقذ البلدان الغنية من ضغوط الديون المتزايدة الشدة، خاصة وأن الشيخوخة السكانية السريعة تزيد من الضغوط المفروضة على برامج الإعانات؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل يتسنى لهذه البلدان إدارة عجز أكبر بأمان، والاقتراض فعليا على حساب أجيال المستقبل الفائقة الثراء؟ لا ينبغي لأحد أن يراهن على ذلك.

من المؤكد أن التقييم المتفائل إلى حد كبير لتأثير الذكاء الاصطناعي المحتمل في النمو الاقتصادي تسبب في دفع أسواق الأصول إلى الارتفاع خلال السنوات القليلة الماضية. وينطبق هذا الأمر بشكل خاص على أسواق الأسهم المبتهجة التي تواصل ارتفاعها على الرغم من الشلل السياسي في فرنسا، والإغلاق الحكومي والهجوم الشامل على استقلالية البنك المركزي في الولايات المتحدة، وهجرة المواهب العالية المهارات من المملكة المتحدة.

برغم أنني أزعم منذ فترة طويلة أن الذكاء الاصطناعي سيحل في نهاية المطاف مشكلة النمو الضعيف في الاقتصادات المتقدمة، فإنني حذرت أيضا من عدد كبير من العقبات المحتملة التي قد تبطئ من وتيرة هذا التحول. تُـعَـد إمدادات الكهرباء بين العوامل المادية، والقانونية، والاقتصادية، والاجتماعية العديدة التي يجب وضعها في الحسبان؛ وكذا حقوق الملكية الفكرية؛ ونقص العمال المهرة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ والحاجة إلى وضع إطار عمل شامل يحكم كيفية تواصل روبوتات الدردشة وتبادل المعلومات، بما في ذلك نوع من آليات التسعير.

لقد استثمرت شركات الذكاء الاصطناعي مبالغ طائلة في سباق الهيمنة على السوق (في حال سماح الحكومات بذلك)، ويبدو أنها على استعداد لتحمل نزيف الأموال مقابل المستخدمين والمعلومات. ولكن في نهاية المطاف، وربما في المستقبل غير البعيد، ستحتاج هذه الشركات إلى تطوير مصادر الدخل، على الأرجح من خلال الإعلانات، مثل شركات التواصل الاجتماعي من قبلها.

برغم أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أشارت إلى المضي قدما بأقصى سرعة في تطوير الذكاء الاصطناعي، فإن المسائل المعقدة التي تنطوي على كيفية دمج الأحكام الأخلاقية في هذه النماذج ــ التي هي حاليا من اختصاص مجموعة صغيرة من المطورين ــ سيتولاها في نهاية المطاف الكونجرس الأمريكي والمحاكم، وكذلك السلطات في بلدان أخرى. ولكن من المرجح أن تأتي معظم المقاومة من مئات الملايين من العاملين الإداريين المزاحين، الذين من المنتظر أن يصبحوا أحدث قضية سياسية، تماما كما هي حال عمال التصنيع اليوم وكما كانت حال عمال المزارع في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

الواقع أن كل من يعمل على جهاز كمبيوتر أصبح عُرضة لخطر الأتمتة (التشغيل الآلي). ومن قبيل الخيال المحض أن نتصور أن حفنة من الشركات من الممكن أن تحل محل جزء كبير من قوة العمل دون حدوث اضطرابات سياسية هائلة. وباستثناء بعض التحولات الاستبدادية الدراماتيكية، نستطيع أن نجزم بأن حدوث اضطرابات أمر شبه مضمون. وسيقدم هذا الأمر ذخيرة وافرة من الأمثلة.

ثم هناك الحقيقة المزعجة التي تتمثل في وجود عدد كبير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتطورة في المجال العسكري، والذي قد يشعل شرارة سباق تسلح هائل بل وقد يؤدي إلى انتشار الحروب التي تخوضها جيوش من الطائرات المسيرة آليا وغيرها من أنظمة الأسلحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. تضر الصدوع والنزاعات الجيوسياسية بالنمو في الأمد البعيد، ومن المرجح أن تستنزف عائدات الضرائب بقدر ما تعززها. وقد يعمل الذكاء الاصطناعي على تمكين دول أصغر حجما وجماعات إرهابية بمنحها إمكانية الوصول إلى كبار علماء الفيزياء والبيولوجيا بضغطة زر.

من قبيل المبالغة والمغالاة أن نتصور أن وصول الذكاء الاصطناعي العام بعد فترة انتقالية طويلة ومؤلمة سيحل جميع مشاكل العالم الغني. فحتى لو أفضى وصول الذكاء الاصطناعي العام إلى زيادة قوية في النمو، فمن شبه المؤكد أنه سيؤدي إلى حصة أعلى كثيرا من رأس المال في الناتج، وحصة أقل للعمالة في المقابل. الواقع أن سوق الأسهم تزدهر على وجه التحديد لأن الشركات تتوقع تقلص تكاليف العمالة. وعلى هذا فمن غير الممكن فهم توقعات الأرباح المرتفعة المتضمنة في ارتفاع أسعار الأسهم الشديد على أنها تترجم إلى نمو إجمالي.

هذا يعيدنا إلى الديون الحكومية. لا يوجد سبب واحد يجعلنا نفترض أن النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة مكافئة في الإيرادات الضريبية الحكومية، حتى برغم أن هذا كان ليمثل افتراضا معقولا في الماضي. ذلك أن فرض ضرائب على رأس المال أصعب كثيرا في نهاية المطاف من فرضها على العمالة، ويرجع هذا جزئيا إلى أنه يميل إلى كونه أكثر تركزا وأشد قوة من الناحية السياسية، وجزئيا لأنه قادر على التحرك بحرية عبر الحدود.

بالطبع، من الممكن أن تعمل جدران التعريفة الجمركية المرتفعة على منع هروب رأس المال على هذا النحو، لكن أي إستراتيجية من هذا القبيل ستكون في نهاية المطاف هازمة للذات. لذا، أجل، تحول الذكاء الاصطناعي قادم، وقد أسهم بالفعل في سباق تسلح جديد بين الولايات المتحدة والصين. ولكن من التهور أن نفترض أن الاقتصادات المتقدمة من الممكن أن تعتمد على الذكاء الاصطناعي لحل مشكلات الميزانية التي يعجز السياسيون من البشر عن حلها.

كبير خبراء الاقتصاد في صندوق النقد سابقا ـ أستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد

خاص بـ "الاقتصادية"

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2025.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية