عرف البشر المال منذ آلاف السنين وتم تطويره وتطويعه ليخدم المجتمعات، من المقايضة إلى العملات المعدنية، حتى العملات الورقية، وليس أخيراً ثورة الرقمنة والعملات المشفرة. ولكن المشترك بين كل العصور هو استخدام النقود والمال كمعيار للقيمة ووسيط للتبادل ووسيلة للتغلب على ندرة الموارد، فوجود المال أسهم في تحديد طلب كل فئة من المجتمع، بما يوازن بين محدودية معروض السلع والخدمات وحسابات التضخم.
بالتالي المال ليس فقط مجرد أرقام في حساباتنا البنكية أو سبائك ذهبية في خزائن معدنية أو أكواد من العملات المشفرة في تقنيات البلوكتشين، وإنما وسيلة لتنظيم المجتمعات اقتصادياً، وضرورة لتجنب الفوضى في أسواق العرض والطلب. وعامل رئيسي للتحكم في الفطرة البشرية التي تميل للاستحواذ والسيطرة، كما أن المال بمنزلة أداة لبسط سلطة المؤسسات عبر أدوات مثل الإنفاق والضرائب والتوظيف.
لنتخيل جميعاً مجتمع تختفي منه الأموال، عندها تصبح الملكية مشاعا وتنعدم الرغبة في الإنتاجية في ظل اندثار الحوافز الشخصية. تختفى الإدارة الحقيقية التي تنظم المجتمع وتدير وتنظم الموارد وتحدد أوجه الإنفاق والاستثمار، فاختفال المال يترجم إلى ضعف واختفاء تدريجي للسلطات المركزية، وتفقد معاها وظائف مهمة مثل التعليم والصحة والبنية التحتية والضمان الاجتماعي، وفرض الأمن والدفاع.
لنعود إلى أصل الفرضية، أن الذكاء الاصطناعي وثورة الروبوتات ستحقق طفرة إنتاجية تفيض عن الحاجة ولا تجعلنا في حاجة للأموال للتنافس على اقتناص السلع والخدمات. هنا نصطدم بقوانين الطبيعة وندرة ثروات كوكبنا، صحيح أن الأتمتة والآلات شبيهة البشر تستطيع خفض التكلفة وتسريع الإنتاج وتقليل الهدر، إلا أنها لا تتغلب على معضلة محدودية الموارد مثل المياه والطاقة والمعادن والأراضي الزراعية، بجانب أن نمو الإنتاج يقابله نمو سكاني يلتهم الفائض ويجعل المنافسة مستمرة. وهذا يذكرنا بالثورة الصناعية الأولى التي استبدلت الإنسان بالآلة وضاعفت الإنتاج، ولكن نتيجة ذلك لم يكن اختفاء المال، ولكن تعزيز التجارة وثراء الدول الصناعية.
الذكاء الاصطناعي وطفرات التكنولوجيا هي أيضا تقع في قلب معضلة الندرة. يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى مصفوفة كاملة للتشغيل تعتمد على موارد طبيعية من محطات طاقة تعمل بالنفط والغاز والفحم، إلى الرقائق الإلكترونية، وصولاً إلى معادن حيوية مثل النحاس والألومنيوم التي تستخدم في كل ركن من أركان صناعات التقنية. وهنا تصطدم فرضية وفرة إنتاج التكنولوجيا واختفاء المال بقوانين الطبيعة، وتصبح جزءا من المشكلة وليس الحل.
بافتراض تحقيق الوعود بفوائض إنتاجية تزيد عن حاجة الاستهلاك، فهناك تساؤل مهم، من سيستفيد من هذه الوفرة، سكان العالم جميعاً، أم يقتصر على مناطق الابتكار والإنتاج، إضافة إلى من سيتولى التوزيع؟ وأيضا هناك نقطة مهمة، أي السلع يستطيع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى تحقيق الوفرة فيها، هل تقتصر على السلع الاستهلاكية، أم تمتد إلى العقارات والأبنية السكنية، الإنتاج الزراعي والسمكي. أي مستوى من الوفرة تجعل قيمة المال منعدمة ويمكن بسهولة التخلى عنه.
هذه الأفكار هي أيضا منافية لقواعد اجتماعية راسخة منذ قرون. فالإنسان يحركه الحافز، فالعمل لا بد أن يكون له آثار على الدخل والمكانة الاجتماعية، ومع اختفاء هذه الحوافز الممثلة في امتلاك المال يفقد الأفراد الشغف والقدرة على الاستمرارية.
في الختام تبدو أفكار اختفاء الأموال في المستقبل أقرب إلى "يوتوبيا" حيث تنتهي المنافسة على امتلاك السلع ويصبح البشر سواسية. فالمال على مر العصور كان أداة لتحقيق التوازن في الاقتصادات بما يتناسب مع محدودية الموارد، وورقة الحكومات لبسط سلطتها وتعزيز الأمان الاقتصادي والاجتماعي، ووسيلة تحفيز للأفراد للعمل والارتقاء في السلم الطبقي. والحقيقة المجردة أن طبيعة الأموال تتطور وتتغير بما يناسب المجتمع والاقتصاد والتجارة، ولكنها تستحيل أن تختفي.
مستشارة اقتصادية
