في رأيي، ما نشهده اليوم في أسواق النفط لا يعكس بالضرورة الواقع الفعلي بقدر ما يعكس حالة نفسية جماعية تقودها التوقعات والمخاوف أكثر مما تقودها الأرقام الصلبة.
أسعار خام برنت وغرب تكساس الوسيط تحركت خلال الأيام الماضية في نطاقات حادة، متجاوزة مستويات 88 إلى 92 دولارا للبرميل قبل أن تعود إلى التذبذب، رغم أن معادلة العرض والطلب لم تتغير جذريا بنفس الوتيرة. هذا بحد ذاته مؤشر لا يمكن تجاهله في رأيي على أن السوق تعيش حالة تسعير مسبق للأحداث وليس تسعيرا للواقع!
أعتقد أن العامل الجيوسياسي، وتحديدا ما يتعلق بمضيق هرمز، لا يزال المحرك الأكثر حساسية في السوق والأكثر ديناميكية. هذا الممر الذي يمر عبره ما يقارب 20% من الإمدادات النفطية العالمية عاد للعمل بشكل شبه طبيعي بعد فترة من التوترات، لكن حركة المرور لم تعد بعد إلى كفاءتها التشغيلية الكاملة.
الجدير بالذكر أن أي انخفاض لو كان محدودا في حركة الناقلات يخلق علاوة مخاطر مباشرة تنعكس على الأسعار، حتى وإن لم يتأثر التدفق الفعلي بشكل جوهري. هنا تظهر فجوة واضحة بين الواقع التشغيلي والسعر السوقي.
من زاوية أخرى، أرى أن اقتراب نهاية الهدنة بين أمريكا وإيران يضيف طبقة جديدة من الضبابية ويعزز مرحلة عدم اليقين. الأسواق بطبيعتها لا تنتظر وقوع الحدث، بل تبني مراكزها الاستثمارية قبله، وهذا ما يفسر موجات الشراء المضاربي التي نشهدها، خصوصا من الصناديق قصيرة الأجل التي تلاحق الزخم بدلا من الاعتماد على أساسيات السوق. في مثل هذه الحالات، يصبح السعر انعكاسا لتوقعات أسوأ السيناريوهات وليس للواقع الحالي.
إذا انتقلنا إلى السيناريوهات المتوقعة، يمكن تلخيصها في 3 مسارات رئيسية من وجهة نظري. الأول: استمرار التهدئة، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى الاستقرار أو حتى التراجع إلى نطاق 80–85 دولارا، خاصة مع تحسن الإمدادات من خارج أوبك. الثاني: تصعيد محدود يؤثر نفسيا أكثر من كونه فعليا، وهنا قد نشهد تذبذبا في نطاق 90–100 دولار للبرميل. أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالا في رأيي لكنه الأقوى تأثيرا، فيتمثل في تعطّل جزئي أو كلي لحركة الملاحة في المضيق، وهنا قد نشهد قفزات تتجاوز 120 دولارا بشكل سريع.
أساسيات السوق لا تزال أكثر توازنا مما توحي به الأسعار، كون الطلب العالمي ينمو بوتيرة معتدلة، والإمدادات رغم التحديات لم تتعرض لصدمة حقيقية حتى الآن. لذلك أعتقد أن جزءا كبيرا من الحركة الحالية هي “مضاربة مدفوعة بالأخبار” وليست انعكاسا لنقص فعلي في السوق.
الخلاصة التي أراها هي أن تقلبات أسعار النفط اليوم لا تعكس الواقع بدقة بقدر ما تعكس الخوف من المستقبل. والسؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه ليس إلى أين ستصل الأسعار؟ بل هل هذه الأسعار مبررة بأساسيات السوق أم أنها نتيجة تضخيم للمخاطر؟
مختص في شؤون الطاقة
