الجمعة, 6 نوفمبر 2026|25 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

مع التوجه نحو رفع مستويات الأجور وتعزيز التوطين في سوق العمل السعودية، يبرز تساؤل حول قدرة الشركات على استيعاب ارتفاع تكلفة العمالة دون التأثير في هوامش الربح. ويأتي القرار الأخير برفع الحد الأدنى للأجر اللازم لاحتساب العامل السعودي كاملا في برنامج نطاقات من 4 آلاف ريال إلى 5 آلاف ريال في أبريل 2027، ثم إلى 6 آلاف ريال في أبريل 2028، ليعيد الاهتمام بكيفية تحقيق التوازن بين تحسين أجور العاملين والمحافظة على تنافسية المنشآت.

ورغم أن القرار لا يمثل حدا أدنى عاما للأجور، فإنه قد يدفع بعض الشركات إلى مراجعة هيكل الأجور وكفاءة الإنفاق عليها. فارتفاع الأجور لا يعني بالضرورة تراجع الربحية إذا صاحبه تحسن في إنتاجية العاملين. ومن هذا المنطلق، تبرز الأتمتة بوصفها إحدى الوسائل التي يمكن أن تساعد الشركات على استيعاب ارتفاع تكلفة العمل من خلال تطوير عملياتها التشغيلية.

وقد يشجع ارتفاع تكلفة العمالة الشركات على التوسع في الأتمتة، خصوصا في الأنشطة التي تعتمد على العمليات اليدوية والمهام المتكررة. فمع ارتفاع الأجور، تصبح الاستثمارات التقنية أكثر جاذبية، لما توفره من فرص لزيادة الإنتاج وتحسين كفاءة التشغيل. ولا يقتصر أثر هذه الاستثمارات في تقليل الاعتماد على بعض الأعمال التقليدية، بل يمتد إلى تطوير مهارات العاملين وتوجيه جهودهم نحو أنشطة تحقق قيمة مضافة أعلى.

وتناولت العلاقة بين ارتفاع الأجور والتوسع في الأتمتة دراسة بعنوان “Minimum Wages and Rise of the Robots”، شارك في إعدادها الاقتصادي إريك برينجولفسون من جامعة ستانفورد، ونشرت ضمن أوراق المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية NBER في فبراير 2026. واعتمدت الدراسة على بيانات منشآت التصنيع الأمريكية خلال الفترة من 1992 إلى 2021، ووجدت أن ارتفاع الحد الأدنى للأجور بنسبة 10% يزيد تبني الأتمتة في المصانع، ممثلة في استخدام الروبوتات الصناعية، بنحو 8% مقارنة بمتوسط مستوى التبني. كما أشارت نسخة أحدث صدرت في أكتوبر 2026 إلى أن تبني هذه التقنيات أعقبه ارتفاع إجمالي الأجور المدفوعة داخل الشركات بنسبة 8.1%، ومتوسط دخل العامل بنسبة 3.2%.

وتشير هذه النتائج إلى أن ارتفاع تكلفة العمل قد يكون أحد المحفزات للاستثمار في الأتمتة، وأن استخدام التقنيات الحديثة لا يعني بالضرورة انخفاض أجور العاملين. ورغم أن الدراسة تركز على تطبيقات الأتمتة في قطاع التصنيع، فإنها تفتح مجالا أوسع للنقاش حول دور التقنية في تحسين الإنتاجية وكفاءة الإنفاق على الأجور في مختلف الأنشطة الاقتصادية.

ومن المفاهيم المستخدمة في قياس هذه العلاقة تكلفة العمل لكل وحدة إنتاج، أو ما يعرف بـ Unit Labor Cost، الذي يقيس تكلفة العمالة مقارنة بحجم الإنتاج المتحقق. فعلى سبيل المثال، إذا ارتفعت أجور العاملين بنسبة 10%، بينما ساعدت الأتمتة على رفع إنتاجيتهم بنسبة 20%، فإن تكلفة العمل لكل وحدة إنتاج تنخفض بنحو 8.3%، رغم ارتفاع الأجور. وهذا يعني أن الشركة قد تتمكن من دفع أجور أعلى مع تحسين كفاءة الإنفاق عليها، بشرط أن تبرر مكاسب الإنتاجية تكاليف الاستثمار في التقنية وتشغيلها.

وفي السعودية، يمثل برنامج مصانع المستقبل الذي أطلقته وزارة الصناعة والثروة المعدنية نموذجا لهذا التوجه، إذ يستهدف تحويل 4 آلاف مصنع من الاعتماد على العمالة منخفضة المهارات والأجور إلى الأتمتة ورفع كفاءة التصنيع، بما يسهم في تحسين تنافسية الصناعة الوطنية وخلق وظائف نوعية. وتُظهر هذه المبادرة أهمية الاستثمار في التقنيات الحديثة وتطوير مهارات العاملين لرفع الإنتاجية، بدلا من الاعتماد على انخفاض تكلفة العمالة لتحقيق التنافسية.

ومع ذلك، فإن الأتمتة وحدها لا تضمن ارتفاع الأجور أو تحسن هوامش الربح، إذ يتطلب نجاحها تطوير مهارات العاملين وإعادة تصميم العمليات التشغيلية وربط الحوافز بالإنتاجية، إلى جانب قياس العائد على الاستثمار. كما أن جدواها الاقتصادية تختلف من نشاط إلى آخر بحسب طبيعة العمل والتكاليف المرتبطة بتطبيقها.

إن رفع كفاءة الإنفاق على الأجور لا يعني بالضرورة تقليص فاتورة الرواتب، بل تحقيق إنتاجية أكبر مقابل ما تنفقه الشركات على العاملين. ومع التوسع في الأتمتة، يمكن أن تتاح للمنشآت فرص أفضل لتحسين الأجور والمحافظة على تنافسيتها، فالقدرة على دفع أجور أعلى لا تتعارض مع الكفاءة التشغيلية، متى ما كانت الزيادة في الإنتاجية قادرة على استيعاب تكلفتها.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية