- يمر الاقتصاد البريطاني حالياً بمرحلة حرجة، حتى أنها أكثر حدة من تلك التي تمر بها الاقتصادات المحورية العالمية. تراكم الأزمات والاضطرابات السياسية، والتحولات الاجتماعية، على مدى أكثر من عقد تقريباً، زاد من احتمالات حدوث سيناريوهات متعددة في المرحلة المقبلة، كلها سلبية، وعلى رأسها إمكانية دخول البلاد في دائرة الركود، عدته أخيراً شركة "آرنست آند يونج" العالمية المعروفة، بأنه قد يكون الأسوأ.
المسار الاقتصادي الحالي، يأتي أيضاً في فترة حساسة على الساحة البريطانية، حيث يتشكل المسار السياسي للبلاد، بوصول رئيس وزراء جديد (آندي بيرنهام) إلى دواننج ستريت، ومعه مشروعاً إستراتيجياً طويل الأمد، يتضمن تغييرات جذرية في المفهوم الاقتصادي السائد، في وقت تستمر فيه التحولات الاجتماعية بوضوح، بما في ذلك ارتفاع حدة الضغوط المالية على المعيشة في البلاد.
- العوامل التي قد تؤدي باقتصاد المملكة المتحدة إلى الركود، يتصدرها عامل لم يكن بالحسبان حتى مطلع العام الحالي، وهو الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط، ولا سيما الجانب المتعلق بمضيف هرمز، الذي خلف "الصراع" حوله، سلسلة من الخسائر على الساحة العالمية ككل، كانت الأكثر أثراً في بريطانيا.
بالطبع العوامل السلبية الأخرى باتت معروفة، من "بريسكت" وانفصال البلاد عن الاتحاد الأوروبي، إلى التغييرات السياسية المتسارعة التي أدت إلى أضرار فادحة للاقتصاد، مروراً بما تركته جائحة "كورونا" على الأرض، والتشريعات المتبدلة حيال الاستثمارات الأجنبية، وامتلاك العقارات والضرائب المتنوعة. حتى أن موجة من هجرة الأثرياء حدثت في الفترة الماضية، دقت ناقوس الخطر، في بلد يقوم اقتصاده أساساً على الاستثمارات والخدمات المتنوعة.
- الخوف الآن على الساحة البريطانية، ليس من ركود عابر، بل من ركود تضخمي، خصوصاً إلى استمر إغلاق مضيق هرمز، الذي ترك آثاراً فادحة من جهة إمدادات الطاقة وأسعارها التي أرهقت أكثر السكان في البلاد.
والركود التضخمي يتشكل (كما هو معروف) من نمو ضعيف، وارتفاع في معدلات البطالة، وزيادات متواصلة لأسعار السلع، أي التضخم، الذي تخشى من تبعاته كل الحكومات الساعية لتوازن اقتصادي مقبول. فارتفاع أسعار الطاقة يعمق الأزمة، بما تزيد الضغوط على الحكومة، حتى أن إحصائيات صدرت أخيراً، تظهر ارتفاعاً غير مسبوق في عمليات سرقة الوقود من المحطات المخصصة له.
أي أن سائقين يملؤون خزاناتهم، ويفرون ببساطة هاربين. ووفق البيانات تبلغ قيمة الوقود المسروق يومياً في بريطانيا نحو 268 ألف دولار يومياً.
- لا أمل قريباً في تحرك الاقتصاد المحلي البريطاني، مع استمرار الأزمة في الشرق الأوسط، وتمسك المشرعين في سياسة التشديد النقدي، أي إبقاء الفائدة عند حدود، لا يساعد على توفير دعم للنمو المطلوب. دون أن ننسى تراجع استثمارات الشركات البريطانية نفسها، الذي أسهم بدوره في رفع مستويات البطالة بصورة مقلقة.
كاتب اقتصادي
