الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 29 مايو 2026 | 12 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

هل تؤدي حرب إيران إلى انهيار الطلب على النفط؟

نايف الدندني
الخميس 21 مايو 2026 12:34 |3 دقائق قراءة

في ظل الصراع المستمر في الشرق الأوسط منذ نهاية فبراير هذا العام، والذي أدى إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز وتعطيل جزء كبير من إمدادات النفط العالمية وصلت إلى 14 مليون برميل يومياً؛ شهدت أسعار النفط ارتفاعاً حاداً تجاوز مستوى الثلاث خانات أو 100 دولار للبرميل، هذه الأزمة دفعت ببعض الأصوات إلى التحدث عن فرضية انهيار الطلب على النفط بسبب الركود الاقتصادي والتضخم المحتمل.

ورغم أن بعض التقارير الاقتصادية الدولية أثارت مثل هذه المخاوف، فإن الأزمة الحالية لن تؤدي إلى انهيار حقيقي للطلب العالمي على النفط، فهذه الأزمة في أساسها صدمة عرض لا صدمة طلب وناتجة أساساً عن نقص حاد في العرض بسبب تعطيل الإنتاج في الخليج وإغلاق المضيق وليست ناتجة عن انكماش هيكلي في الطلب. بل من المتوقع أن ينخفض العرض العالمي بمعدل 4 ملايين برميل يومياً في 2026، ما يحول السوق من فائض متوقع إلى عجز يتجاوز  1.8 مليون برميل يومياً.

كما أن الأسعار المرتفعة ستشجع على زيادة الإنتاج  لكنها لن تقضي على الطلب. وقد يؤدي ارتفاع أسعار الوقود والطيران إلى الضغط على الطلب ما يقلل من السفر غير الضروري والنشاط الصناعي في آسيا.

وقد تؤدي الإجراءات الحكومية أيضاً إلى ترشيد الاستهلاك وتشكل عامل ضغط إضافي لكن هذا الضغط يشبه ما حدث في أزمات سابقة مثل أزمة النفط عام 1970 أو الأزمة التي أحدثتها الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 وعادة ما يتعافى الطلب بسرعة عندما تنخفض الأسعار أو يتحسن العرض.

منظمة أوبك بدورها توقعت نمواً إيجابياً بـ1.17 مليون برميل يومياً على الطلب الذي يتركز على قطاع النقل حيث يمثل 60% من حجم الطلب العالمي وهو لا يزال في حالة جيدة بسبب نسبة التقدم البطئ في الاعتماد على السيارات الكهربائية ونسب النمو المتوقع في هذا القطاع.

قطاع البتروكيماويات لا يزال يلعب دورا محوريا في الاعتمادية على النفط رغم المشكلات المالية التي يواجهها فيما يتعلق بهوامش الربح واحتدام المنافسة، فالبتروكيماويات لا تزال ضرورية وغير مرنة على المدى القصير بسبب محدودية البدائل. الدول النامية وخاصة في آسيا وإفريقيا تدفع في النمو طويل الأمد على النفط حيث يرتفع الطلب مع التصنيع والتحضر.

وحتى مع افتراض الركود المحتمل، لن يصل الأمر إلى انهيار كما في جائحة كوفيد-19 الذي قاد إلى انخفاض بلغ 10% في 2020.
 إن سحب المخزونات الإستراتيجية وزيادة الإنتاج من خارج أوبك وتحويل الطرق البديلة مثل خطوط الأنابيب ستخفف الضغط على الأسعار المرتفعة وستشجع الاستثمار في الإنتاج الجديد ما يعيد التوازن تدريجياً.

ولعلنا لم نصل إلى السيناريوهات التي تقود إلى انهيار حقيقي في الطلب، والتي قد يكون أبرزها 
تسارع سياسات خفض الانبعاثات مثل اتفاقية باريس المشددة مع انخفاض تكاليف البطاريات والسيارات الكهربائية، وانتشار الهيدروجين الأخضر.

والسيناريو الآخر الذي قد يقود إلى انهيار حقيقي للطلب وهو ما لم نشهده في الأزمة الحالية هو حدوث ركود اقتصادي عالمي عميق وطويل الأمد مثل أزمة مالية عالمية أكبر من 2008، أو حروب تجارية، أو جائحة جديدة او انخفاض النمو العالمي إلى أقل من 2% لسنوات متتالية ما يقلل الطلب بشكل هيكلي.

سيناريو ثالث قد يقود إلى انهيار للطلب لم نره في هذه الأزمة الحالية، هو تقدم تكنولوجي يقود إلى تطوير بديل رخيص مثل وقود اصطناعي مختلف عما نعرفه اليوم، أو ثورة في كفاءة الطاقة تخفض بشكل كبير نسب الاستهلاك الحالية. وقد يكون تشديد السياسات الحكومية 
كحظر لمحركات الاحتراق الداخلي، وضرائب كربون عالية، أو إعانات هائلة للبدائل، سببا ينهار معه الطلب في قطاع النقل رغم عدم نجاحه في فترات سابقة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وهو سيناريو لم نشهده أيضاً في هذه الأزمة.

إن الأزمة الناتجة عن الحرب على إيران تمثل صدمة عرض مؤقتة ستؤدي إلى تقلبات أسعار لكنها لن تؤدي إلى انهيار الطلب العالمي على النفط. النفط يبقى سيد مصادر الطاقة في المدى القصير والمتوسط بسبب مرونته وتكلفته المنخفضة وكفاءته ودوره الحيوي في الاقتصاد العالمي، أما الانهيار الحقيقي فيحتاج إلى تحولات هيكلية عميقة ومستدامة، وليس مجرد حرب أو أزمة قادت إلى ارتفاعات في أسعار النفط كنا قد شهدناها سابقاً.

خبير إستراتيجي في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية