أحمد الشهري
يرتبط نمو الصادرات بقدرة الاقتصادات على تحويل إمكاناتها الإنتاجية إلى حضور تجاري مستدام في الأسواق الدولية. فامتلاك منتج ذي جودة عالية يمثل نقطة انطلاق، لكنه لا يكفي وحده لضمان النفاذ إلى الأسواق الخارجية؛ إذ تتطلب المنافسة فهماً دقيقاً للأسواق المستهدفة، واستعداداً تجارياً وتشغيلياً، وحلولاً تمويلية مناسبة، بجانب القدرة على تنفيذ الصفقات وإدارة مخاطرها. ومن هنا تصبح الجاهزية التصديرية عنصراً أساسياً في تحويل القدرات الإنتاجية إلى فرص تجارية قابلة للتحقق.
وتبرز هذه المسألة بصورة أكبر لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي قد تمتلك منتجات قادرة على المنافسة، لكنها تحتاج إلى تطوير خبراتها في دراسة الأسواق وتحديد العملاء المحتملين وفهم المتطلبات التنظيمية والتجارية، وإعداد خطط تصديرية قابلة للتنفيذ. فدخول الأسواق الدولية يختلف عن التوسع في السوق المحلية، ويتطلب معرفة متخصصة وقدرة مؤسسية على التعامل مع بيئات تجارية متعددة، وهو ما يجعل تأهيل المنشآت قبل التوسع خطوة مهمة للحد من مخاطر الدخول غير المدروس، وتعزيز فرص النجاح.
ولذلك سعدت عندما علمت أن بنك التصدير والاستيراد السعودي أطلق "مسرعة أعمال التصدير"، بمشاركة 50 منشأة، بهدف تعزيز جاهزيتها وتنمية قدراتها التصديرية. إن إطلاق مثل هذه المسرعة يسد هذه الفجوة ويبرز توجهاً نحو توسيع نطاق تمكين المصدرين، من خلال الجمع بين الخدمات غير المالية والحلول الائتمانية، بحيث لا يقتصر الدعم على توفير التمويل والتأمين، بل يمتد إلى تطوير القدرات التي تساعد المنشآت على تحديد الفرص والاستعداد للاستفادة منها. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة في قاعدة عملاء البنك؛ إذ تمثل 49% من إجمالي عملائه.
أعتقد أن هذا النموذج تكمن قيمته في الربط بين التأهيل والتمكين المالي؛ فبرامج الإرشاد والتدريب تساعد المنشآت على فهم الأسواق وتطوير خططها التصديرية، فيما تسهم الحلول الائتمانية، بما تشمله من تمويل وضمان وتأمين ائتمان الصادرات في تلبية احتياجاتها والحد من المخاطر المرتبطة بالتجارة الدولية. ويعزز هذا التكامل قدرة المنشأة على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى تنفيذ العمليات التجارية والاستمرار فيها وفق احتياجاتها والمرحلة التي تمر بها في رحلتها التصديرية.
الاتفاقيات التي أبرمها البنك مع برنامج ضمان التمويل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة "كفالة" والبنوك المحلية، والتي تتجاوز قيمتها 2.5 مليار ريال لتوفير ضمانات تمويلية للمنشآت المصدرة، بتغطية تصل إلى 80% من قيمة التمويل، تعد من أقوى الأدوات الممكنة لحصول المنشآت على التمويل اللازم لتنفيذ عملياتها التصديرية، بما يعزز تكامل منظومة الدعم المالي مع جهود تطوير الجاهزية.
وفي تقديري، تكمن أهمية مسرعة أعمال التصدير في أنها تتعامل مع التصدير باعتباره قدرة مؤسسية ينبغي بناؤها، وليس صفقة تجارية تبدأ عند العثور على مشترٍ في الخارج؛ فالمنشأة التي تعرف سوقها، وتفهم متطلباته، وتملك خطة واضحة، وتستطيع الوصول إلى التمويل وإدارة المخاطر، تكون أكثر استعداداً لتحويل فرص التصدير إلى نشاط مستدام، ومن هنا فإن الأثر الأهم للمسرعة سيظهر في قدرتها على نقل المنشآت المشاركة من مرحلة الاستعداد إلى ممارسة التصدير بكفاءة، بما يعزز قاعدة المصدرين السعوديين، ويمكِّن من تنويع ونمو الاقتصاد غير النفطي وفقاً لمستهدفات رؤية السعودية 2030.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.
