شهدت أسواق النفط العالمية أسبوعاً متقلباً خلال تداولات الأسبوع الماضي الذي تميز بتذبذبات حادة في الأسعار تحت تأثير مزيج معقد من المخاوف الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، مع محاولات الأسواق استيعاب الإشارات المتضاربة حول قدرة السعودية على الحفاظ على صادراتها.
انتهى الأسبوع بأسعار وصلت إلى مستوى الثلاث خانات أو المئة دولار للبرميل، وسط استمرار حالة عدم اليقين التي تطغى على الأسواق منذ تصاعد التوترات الإقليمية. افتتحت الأسواق الأسبوع على خلفية ارتفاع ملحوظ في الأسعار، حيث سجل خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط مستويات قريبة من أعلى مستوياتها في أربعة أشهر.
جاءت هذه المكاسب مدفوعة بتقارير عن تعليق تحميلات النفط الخام في ميناء ينبع على البحر الأحمر، عقب هجوم بطائرات مسيرة على خط أنابيب الشرق-الغرب السعودي، الهجوم الذي أدى إلى تضرر ثلاث محطات ضخ على الأقل، ما أجبر السعودية على إغلاق الخط الذي يُستخدم عادة لتحويل نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 4% من الإمدادات العالمية، نحو البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز.
مع تقدم الأسبوع، ارتفعت الأسعار إلى ذروتها قرب 109 دولارات لبرنت في بعض الجلسات، مدفوعة بإلغاء السعودية بعض شحنات أكتوبر إلى العملاء الأوروبيين، وبتقارير عن استمرار القيود على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز. غير أن الأسعار بدأت في التراجع تدريجياً مع ظهور إشارات مطمئنة نسبياً، حيث أكدت مصادر صناعية وتصريحات وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن السعودية تسعى إلى استعادة نحو نصف طاقة الخط خلال أيام، بينما لجأت السعودية إلى زيادة صادراتها عبر مضيق هرمز لتلبية جزء من الطلب الآسيوي. ولقد ساهمت هذه التطورات في تهدئة المخاوف الفورية من نقص حاد في الإمدادات.
على صعيد البيانات، أظهرت تقارير معهد البترول الأمريكي ارتفاعاً غير متوقع في مخزونات النفط الخام الأمريكية بنحو 7.1 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 11 سبتمبر، مقارنة بتوقعات السوق بانخفاض طفيف. كما سجلت مخزونات البنزين والديزل زيادات، ما أضاف ضغطاً هبوطياً على الأسعار في منتصف الأسبوع.
ومع ذلك، لم يغير هذا البناء في المخزونات الأمريكية الصورة العامة للسوق العالمية التي تبقى ضيقة، خاصة في أسواق المنتجات المكررة حيث سجل الديزل ارتفاعات أسبوعية ملحوظة تجاوزت 1.5%، بينما ارتفع البنزين بنحو 6% خلال الأسبوع، ما يعكس استمرار الضيق في الإمدادات المكررة.
اختتم الأسبوع يوم الجمعة 18 سبتمبر بتسويات منخفضة نسبياً. استقر خام غرب تكساس الوسيط لشهر أكتوبر عند 100.30 دولار للبرميل، منخفضاً بنحو 1.9%، لكنه أنهى الأسبوع بمكسب طفيف يقترب من 1% مقارنة بالأسبوع السابق، مسجلاً ثالث أسبوع صعودي على التوالي.
أما خام برنت لشهر نوفمبر فاستقر عند 103.87 دولار للبرميل، منخفضاً بنحو 0.9% يوم الجمعة، وسجل خسارة أسبوعية طفيفة راوحت بين 0.7% و2%، في أول انخفاض أسبوعي بعد أسبوعين من المكاسب. تظل المخاطر الجيوسياسية قائمة بقوة مما وسع جبهة التوترات في المنطقة وزاد من مستوى المخاطر الجيوسياسية، كما استمرت المخاوف بشأن مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
في روسيا تعرضت مصفاة ياروسلافل لهجوم بطائرات مسيرة أوكرانية أدى إلى توقف جزئي، ما أضاف طبقة أخرى من التوتر على جانب الإمدادات.
من الناحية الهيكلية، أكدت بيانات سابقة لمنظمة أوبك خلال الأسبوع السابق خفض توقعات نمو الطلب العالمي على النفط في 2026 إلى 380 ألف برميل يومياً فقط، في خامس خفض متتالٍ، وسط تأثير الأسعار المرتفعة والاضطرابات في الاستهلاك.
في المقابل، تبقى التوقعات لعام 2027 أكثر تفاؤلاً. أما إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فقد أشارت في تقريرها الشهري إلى استمرار انخفاض المخزونات العالمية، مع تقديرات لمتوسط أسعار برنت قرب 90 دولاراً في النصف الثاني من 2026 قبل أن تبدأ في التراجع تدريجياً مع تحسن الإمدادات.
بشكل عام، يعكس أداء أسواق النفط خلال الأسبوع الماضي قدرة الأسواق على التكيف السريع مع الصدمات الجيوسياسية، لكنها تظل عرضة للتقلبات الحادة طالما استمرت التوترات الإقليمية الأوسع، حيث تنظر الأسواق إلى تطورات إصلاح خط الأنابيب السعودي، كما أن أي إشارات دبلوماسية محتملة حول التهدئة أو التصعيد في المنطقة قد تغير اتجاه الأسعار المتقلبة والمرتفعة أصلاً في الأسابيع المقبلة.
خبير استراتيجي في شؤون الطاقة
