د. نوف البلوي
اعتاد المصدر أن يقيس قدرته على المنافسة بالسعر والجودة وسرعة التسليم. لكن بالنسبة إلى السلع التي تشملها آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، دخل عنصر جديد في الحساب: كمية الانبعاثات التي نتجت أثناء تصنيع المنتج، وقدرة المصنع على إثباتها.
في الرابع عشر من أغسطس، أصدرت المفوضية الأوروبية عشرة أدلة لمساعدة المنتجين خارج الاتحاد الأوروبي على التعامل مع المرحلة الفعلية للآلية، التي بدأت مطلع عام 2026. وتغطي الآلية سلعًا في قطاعات الأسمنت والحديد والصلب والألمنيوم والأسمدة والهيدروجين والكهرباء، إضافة إلى بعض المنتجات المرتبطة بها.
تبدو الأدلة فنية للوهلة الأولى. فهي تتناول حساب الانبعاثات وإعداد خطط المراقبة وحفظ السجلات والتحقق من البيانات. لكن أثرها الحقيقي اقتصادي؛ لأنها تربط الانبعاثات بتكلفة دخول المنتج إلى السوق الأوروبية.
المسؤول قانونيًا عن تنفيذ الالتزامات هو المستورد الأوروبي المعتمد، أو ممثله الجمركي في الحالات التي يحددها النظام. وهو من يقدم الإقرار ويشتري الشهادات ويسلمها. أما المنتج خارج الاتحاد الأوروبي، فلا يُلزم مباشرة بشراء هذه الشهادات أو تقديم الإقرار. لكن هذه التفرقة القانونية لا تعني أن المصدر بعيد عن التكلفة.
فالواردات المسجلة منذ بداية 2026 أصبحت خاضعة للمرحلة الفعلية، على أن يبدأ شراء الشهادات في 2027 وتسليمها عن انبعاثات واردات العام السابق. وبوجه عام، كلما ارتفعت الانبعاثات المحتسبة للمنتج، زاد عدد الشهادات المطلوبة، بعد مراعاة التدرج في تطبيق الآلية، وأي سعر كربون مؤهل سبق دفعه في بلد الإنتاج.
المستورد هو من يتحمل التكلفة أمام السلطات الأوروبية، لكنه سيأخذها في الحسبان عند اختيار المورد والتفاوض على السعر. فإذا كان أمامه منتجان متقاربان في الجودة والتكلفة، بينما يتطلب أحدهما شهادات كربون أقل، فسيكون هذا المنتج أقل تكلفة عند دخوله إلى السوق. هنا يتحول الكربون من أثر بيئي إلى عنصر في السعر.
ولا تتوقف المنافسة عند انخفاض الانبعاثات الفعلي. المصنع قد يكون مرتفع الكفاءة، لكن ذلك لن يفيده تجاريًا إذا لم يستطع تقديم بيانات محسوبة وفق المنهجية الأوروبية وخاضعة للتحقق. وفي غياب البيانات الفعلية الموثقة، يستطيع المستورد استخدام القيم الافتراضية التي تضعها المفوضية.
وقد تضع هذه القيم المنتج في وضع أقل تنافسية إذا كانت أعلى من انبعاثاته الحقيقية. في هذه الحالة، لا يخسر المصنع لأنه كثير الانبعاثات بالضرورة، بل لأنه لم يتمكن من إثبات أن أداءه أفضل من القيمة المفترضة.
هذه المسألة ستجد طريقها إلى العقود التجارية. من المرجح أن يطلب المستورد بيانات تفصيلية عن طريقة الإنتاج ومصادر الطاقة والمواد الأولية، مع ضمانات تتعلق بصحة المعلومات وإمكانية التحقق منها. وقد تنص العقود على من يتحمل التكلفة إذا رفض المدقق البيانات، أو ظهرت أخطاء في الحساب، أو تجاوزت الانبعاثات المستوى الذي بُني عليه السعر.
وقد يطلب المشتري أيضًا حق تعديل السعر أو إعادة التفاوض إذا ارتفعت تكلفة الشهادات. وهكذا تصبح الانبعاثات جزءًا من توزيع المخاطر بين البائع والمشتري، إلى جانب مخاطر الشحن والعملات والرسوم الجمركية.
ولا يعني ذلك أن المنتج الأقل انبعاثًا سيكون دائمًا الأرخص. فما زالت تكلفة التصنيع والجودة والنقل ومدة التوريد عوامل أساسية. لكن المقارنة لم تعد تتوقف عند سعر المنتج عند باب المصنع. أصبحت تشمل تكلفة وصوله إلى السوق بعد إضافة العبء الكربوني المرتبط به.
قد يقدم مصنع سعرًا أقل للطن، لكن ارتفاع انبعاثاته يجعل التكلفة النهائية على المستورد أعلى. وفي المقابل، قد يكون سعر مصنع آخر أعلى قليلًا، إلا أن انخفاض انبعاثاته وقدرته على إثباتها يجعلان منتجه أكثر جدوى.
لهذا لا ينبغي للمنتج خارج أوروبا أن يتعامل مع الآلية باعتبارها شأنًا يخص المستورد وحده. فترك حساب الانبعاثات للطرف الآخر يعني التخلي عن عنصر قد يؤثر في سعر المنتج وفرص حصوله على العقود. الميزة التنافسية لن تكون لمن يخفض انبعاثاته فقط، بل لمن يستطيع قياس هذا الانخفاض وتوثيقه والدفاع عنه تجاريًا. وربما يكون هذا هو التحول الأهم: الكربون لم يعد رقمًا في تقرير الاستدامة، بل أصبح رقمًا يدخل في التفاوض على السعر.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
