لفترة طويلة ارتبطت قيمة المهن المعرفية بقدرة أصحابها على الوصول إلى المعلومة وتحليلها وتحويلها إلى رأي أو توصية. فالمستشار يبحث، والمحلل يجمع البيانات، والمحامي يراجع النصوص، ثم يقدم في النهاية خلاصة تستند إلى وقت وخبرة تراكمت على مدى سنوات.
لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير هذه المعادلة. اليوم يمكن خلال دقائق تلخيص تقرير طويل، أو مقارنة شركتين، أو إعداد مسودة تحليل مالي، أو مراجعة أولية لعقد. ولكن يظهر السؤال الأهم، إذا أصبحت الإجابة أسرع وأرخص، فهل تنخفض معها قيمة التفكير؟
ناقشت صحيفة وول ستريت جورنال هذه الفكرة في مقال بعنوان "The High Cost of Thinking for Free"، حول قيمة العمل الفكري في وقت أصبح فيه الحصول على جزء منه أسرع وأسهل. وهي فكرة أصبحت أكثر حضورا مع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الأعمال المهنية.
فالعميل قد يتساءل اليوم عن سبب دفع المبلغ نفسه مقابل عمل كان يستغرق يوما كاملا وأصبح إنجاز جزء كبير منه ممكنا خلال وقت أقصر. وهذا يغير طريقة النظر إلى القيمة، من عدد الساعات التي استغرقها العمل إلى الأثر الذي يضيفه في القرار أو النتيجة النهائية.
ويظهر هذا التحول في تقرير مايكروسوفت لاتجاهات العمل لعام 2026، الذي شمل 20 ألفا من العاملين في المعرفة المستخدمين للذكاء الاصطناعي في 10 دول. فقد قال 66% منهم: إن التقنية أتاحت لهم وقتا أكبر لأعمال ذات قيمة أعلى. وهذا يعني أن جزءا من الوقت الذي كان يذهب إلى البحث والإعداد أصبح من الممكن توجيهه إلى مهام أكثر أهمية.
لكن انخفاض الوقت اللازم لإنجاز العمل لا يعني بالضرورة انخفاض قيمة الخبرة. فقد أظهرت تجربة نشرها المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية (NBER) في سبتمبر 2026 على 133 محاميا متخصصا في براءات الاختراع، أن التحسن المستمر في الحكم المهني بعد استخدام الذكاء الاصطناعي كان أكثر وضوحا لدى أصحاب الخبرة، بينما لم يظهر التحسن نفسه لدى المبتدئين في المتوسط. هذه النتيجة مهمة، لأن الذكاء الاصطناعي قد يختصر الطريق إلى الإجابة، لكنه لا يختصر بالضرورة الطريق إلى الخبرة.
فالتقنية تستطيع جمع المعلومات وتلخيصها وإنتاج تحليل أولي، لكن معرفة ما إذا كانت النتيجة منطقية ومناسبة للواقع تظل مرتبطة بفهم السياق والقدرة على الحكم عليها. وهذه القدرة لا تبنى في دقائق، بل تتشكل مع الخبرة والتجربة والتعامل مع قرارات حقيقية ونتائجها.
لذلك قد تفقد بعض المهام المعرفية جزءا من قيمتها، خصوصا تلك التي تعتمد على جمع المعلومات وتلخيصها. وفي المقابل، قد ترتفع قيمة الأعمال التي تعتمد على الخبرة والحكم وتحمل مسؤولية القرار. وقد يدفع ذلك الشركات إلى إعادة التفكير في تسعير هذه الخدمات، بحيث ترتبط القيمة أكثر بالنتيجة وأقل بعدد الساعات.
كلما أصبحت الإجابة أسرع وأسهل وأرخص، انتقلت القيمة من إنتاجها إلى القدرة على تقييمها. فالذكاء الاصطناعي قد يجعل الوصول إلى الإجابة شبه مجاني، لكنه لا يجعل الخبرة اللازمة للحكم عليها كذلك.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
