نادرًا ما كان التباين بين الأسواق المالية التي تتمتع بحماية من المخاطر، وبين قائمة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية المتزايدة، أوسع أو أكثر إثارة للحيرة. يبدو أن المستثمرين وصناع السياسات يعيشون في عالمين متوازيين، ولا توجد أي بوادر على تقاربهما في أي وقت قريب.
بينما ينشغل صناع السياسات في العالم، المجتمعون هنا في واشنطن لحضور اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بالقلق إزاء الاختلالات العالمية، وأمن الطاقة، والحروب، وانهيار النظام العالمي، يتجاهل ولا يكترثون المستثمرون الأمر تمامًا.
العائد على الاستثمار - "هروب" وول ستريت بسبب الحرب الإيرانية، من شبه المؤكد أن يكون النمو هذا العام أقل مما كان متوقعًا، بينما ستكون تكاليف الطاقة والتضخم وحالة عدم اليقين، وربما حتى أسعار الفائدة، أعلى من التوقعات التي صدرت في 27 فبراير - أي قبل يوم من اندلاع النزاع.
ومع ذلك، انتعش مؤشرا ستاندرد آند بورز 500 وناسداك 11% و16% على التوالي من أدنى مستوياتهما في 31 مارس، ووصل كلا المؤشرين يوم الأربعاء إلى أعلى مستوياتهما على الإطلاق. هناك عديد من التفسيرات المعقولة لهذا التناقض الظاهر.
أحدها نفسي. فمنذ 2008، تعلم المستثمرون أن "الشراء عند انخفاض الأسعار" مُجدٍ في أغلب الأحيان، لأن السلطات ستتدخل في نهاية المطاف لدعم أسعار الأصول والحفاظ على الاستقرار المالي - وهو ما يُعرف اليوم بـ"خيار جرينسبان". وتُعدّ "التدابير النقدية والمالية الضخمة" التي أُطلقت استجابةً للأزمة المالية العالمية وأزمة منطقة اليورو وجائحة كوفيد-19 دليلًا على ذلك.
ثمّة رهانٌ آخر يُعرف باسم "تاكو" (ترمب دائمًا ما يتراجع) - وهو رهانٌ من المستثمرين على أن الرئيس الأمريكي سيُخفف من حدة تهديداته. وقد أثبتت هذه الإستراتيجية نجاحها حتى الآن. وكما قال أحد صانعي السياسات، أصبحت الأسواق الآن "غير حساسة" لخطاب دونالد ترمب الناري وسياساته المثيرة للجدل.
في الوقت نفسه، هناك طفرة الذكاء الاصطناعي، وتوقعات أرباح الشركات القوية، وعقود من الأداء المتميز لوول ستريت. كل هذه العوامل رسّخت استقرارًا قويًا للأسهم الأمريكية، أو ربما ينبغي أن نسميها نقطة انطلاق.
بجمع كل ذلك، يُمكننا أن نفهم لماذا تكون عمليات البيع قصيرة الأجل، حتى في ظلّ حالة عدم اليقين الجيوسياسي والسياسي المرتفعة، وتنوّع المخاطر وكثرتها كما هي اليوم.
لا خيار للانسحاب، ولا زر إيقاف
ربما من الحكمة ألا تُصاب الأسواق بالذعر. يقول آدم توز، المؤرخ الاقتصادي والأستاذ بجامعة كولومبيا، إن "العالم الجيوسياسي" بالغ في التحذيرات والتنبؤات في السنوات الأخيرة لدرجة أن المستثمرين اعتادوا على هذه التحذيرات، تمامًا كما أصبحوا غير مبالين بتقلبات ترمب غير المتوقعة.
نحن نعيش في عالم من التناقض المعرفي. هناك عالمان. بالنسبة لصناع السياسات، انتهى العالم كما نعرفه. أما بالنسبة للعاملين في الأسواق، فالأمر مستمر - يواصلون التداول"، هذا ما قاله توز أمام لجنة في مؤتمر معهد التمويل الدولي في واشنطن يوم الأربعاء.
يصف توز هذا الوضع بأنه "هروب من الواقع"، لكن لا ينبغي الخلط بينه وبين الإنكار. فالمستثمرون الذين يديرون أموال الآخرين مضطرون لاتخاذ قرارات ومراكز يوميًا. لا يمكنهم الانسحاب. "هناك ضرورة أساسية لمواصلة العمل بشكل طبيعي في عالم غير طبيعي تمامًا".
وهناك جوانب سلبية محتملة حقيقية، من حيث الأداء، لتقليل المخاطر في وقت لم تظهر فيه بعدُ آثار التوترات الجيوسياسية في بيانات دخل الشركات. لا يرغب أي مدير أصول في المخاطرة بصفقة مضاربة ضخمة.
تستند موجة التفاؤل الأخيرة إلى بعض الأسس المنطقية. فهي مدفوعة في الغالب بتدفق أرباح الربع الأول الأمريكية، التي فاقت التوقعات، وتوقعات النمو المتفق عليها للأرباع الثلاثة المتبقية من هذا العام، والتي تشهد ارتفاعًا.
ثم هناك الأمل أو التوقع بأن يصمد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وأن يتحول إلى وقف أوسع وأكثر استدامة للأعمال العدائية في جميع أنحاء المنطقة. يراهن المستثمرون على أن هذا سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وانخفاض كبير محتمل في أسعار النفط والغاز العالمية.
... لكن هنا يبرز مفهوم "الهروب" الذي طرحه توز. فمن المتوقع أن ترتفع أسعار النفط والغاز ووقود الطائرات والأسمدة هذا العام بشكل ملحوظ عما توقعه المستثمرون في 27 فبراير، وذلك نتيجةً لانقطاع الإمدادات على المدى الطويل جراء القصف الذي اجتاح الشرق الأوسط.
وقالت هيليما كروفت، المديرة الإدارية في آر بي سي كابيتال ماركتس: "لا يزال عديد من المشاركين في السوق غير قادرين على استيعاب حجم الدمار الذي خلفته هذه الحرب. لا يوجد حل سريع".
لا يمكن إعادة تشغيل إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط بين عشية وضحاها، وبالتأكيد ليس بالسرعة التي يستطيع بها المستثمرون تجاهل الأخبار السلبية.
كاتب اقتصادي ومحلل مالي في وكالة رويترز
